عبد اللطيف السيدح يكتب: عَردُوا جهاراً نهاراً

من الشرفات

عبد اللطيف السيدح

عَردُوا جهاراً نهاراً

 

هكذا تُختصر الحكاية.
ليس انسحاباً تكتيكياً، ولا بمحض الإرادة كما زعم بيان دويلة الشر ولا إعادة تموضع كما تحب البيانات الباردة أن تُزيّف الحقائق، بل أسرع خروجٍ مُذلّ في سجل الحروب الحديثة، خروجٌ بلا راية، بلا كرامة، وبلا قدرة حتى على تبرير الهزيمة.
نفّذت دويلة الشر ما طُلب منها حرفياً، بعدما أدركت أن اللعب مع المملكة العربية السعودية ليس كالتلاعب بالمجتمع الدولي ولا كالمناورات في غرف الظل. هنا دولة تعرف وزنها، وتقرأ الخرائط جيداً، وتعرف متى تضرب ومتى تُنهي اللعبة.
لقد توهمت دويلة الشر أن اليمن عبارة عن أرض بيضاء يمكن أن تقتطع منها ما تريد لصالح مليشيا، وأن الدم العربي بلا ثمن، وأن الفوضى يمكن إدارتها كما تُدار الصفقات، لكنها أخطأت التقدير. فاليمن ليس لقمة سائغة، والسعودية ليست خصماً يُختبر.
لقد خرجت الدويلة الشريرة صاغرة، تجرجر أذيال الخيبة، بعد أن سقط القناع، وانكشفت الأدوار، وتكسّرت أدوات العبث واحدة تلو الأخرى.
خرجت بعدما فشلت في شراء الولاءات، وفشلت في كسر الإرادة، وفشلت في تحويل اليمن إلى منصة دائمة للفوضى.
وبخروجها سيستعيد اليمن حقه الطبيعي
حقه في الأمن،
وحقه في الاستقرار،
وحقه في أن يكون سيد قراره، لا ساحة لتصفية الحسابات ولا حديقة خلفية لمشاريع مشبوهة.
الشعوب المكلومة والمتأذية من أفعال الدويلة، كلها في حالة نشوى وفرح على الهزيمة المذلة للدويلة، بعد أن وضع لها نشامى العرب الخطوط الحمراء ولم تسطيع الإقتراب منها.
إن من يدنّس الأرض، ومن يذلّ الشعوب، ومن يموّل الخراب، لا يخرج مرفوع الرأس، ونسأل الله لا انتقاماً بل عدلاً أن تُطوى صفحات العبث في كل أرض عربية، وأن يُرفع كابوس المليشيات والوكلاء، وأن يُحاسَب كل من جعل من دم الأبرياء سلعة ومن الأوطان مسرحاً.
أما دماء الأبرياء في السودان، وفي اليمن، وفي كل بقعة نُكبت بتدخلات عابثة، فلن تضيع هدراً، التاريخ لا ينسى، والشعوب لا تسامح، والعدالة وإن تأخرت لا تلغى.
لقد عردوا وسيظل هذا الخروج علامة فارقة
لأن زمن اللعب انتهى،
وأن أوهام السيطرة سقطت،وأن من يستخفّ بالأمم، لا بد أن يخرج مذموما مدحورا.
{ فَخَرَجُوا مِنْهَا خَائِفِينَ يَتَرَقَّبُونَ }
هكذا يُسدل الستار حين يُكسَر الباطل، لا انسحابًا مشرّفًا ولا نهاية تفاوضية، بل خروجٌ مذمومٌ مدحور، مثقلٌ بالعار، عارٍ من أي رواية تُنقذه من الحقيقة.
{ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ }
لأن الأرض لا تستقر في يد العابثين، ولا يرثها الوكلاء، ولا يحكمها المرتزقة، وإنما تعود لأهلها، لأصحاب الحق، لمن صبروا وثبتوا ودفعوا ثمن الكرامة دمًا وصبرًا.
{ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ }
آية تختصر كل المشهد…
فلا دم ضاع، ولا صرخة سُكِت عنها، ولا مظلمة نُسيت، في اليمن، ولا في السودان، ولا في أي أرض عربية دنّسها العابثون ، لقد خرج رعاة الإنفصال اليوم مذمومين مدحورين، وسيبقى خروجهم شاهدًا أن زمن التلاعب قد انتهى، وأن من ظنّ أن الأمة تُستباح بلا حساب، سيأتيه الجواب من حيث لا يحتسب.
{ فَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }.
صدق الله العظيم.