صديق المجتبى يكتب: مكة .. قبلة الوحدة الغائبة ومعركة النصوص في زمن الانقسام

مكة .. قبلة الوحدة الغائبة ومعركة النصوص في زمن الانقسام

صديق المجتبى

أخي الأستاذ حسين خوجلي حياك الله وبياك، وزاد قلمك الذكي مدادًا وفكرًا.
هذه مبادرة عربية ذكية في زمان الفرقة والشتات، الذي يلعب عليه الغرب كمشروع سياسي استعماري لإضعاف العالم الإسلامي، رغم أن قوته تكمن في قبلته التي يتجه إليها كل هذا الشتات الأيديولوجي والطائفي، فيصلّي لله الواحد بنفس الاستقامة والاصطفاف خلف إمام واحد، ومنعًا للفرقة والفتنة في الدين.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«صلّوا على من قال لا إله إلا الله، وصلّوا وراء من قال لا إله إلا الله»
حديث صحيح أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية.
في هذا الزمان صار الفقه يفرقنا أكثر مما يجمعنا، وصار غلاة المذاهب الطائفية، وكذلك المذاهب الفقهية، يضيقون بسعة الفكر وبعد النظر، ولا يزال كثير منهم يلوك قصة واقعة الجمل وكربلاء، التي صارت كربلاء أبدية، لا يزال ثأر الحسين ودمه معلقًا في أعناق الأجيال.
الإمام علي عليه رضوان الله، باب مدينة العلم ومحدّث الأمة، كأنه نظر إلى واقعنا اليوم، فنهى عن سبّ الخوارج الذين خرجوا عليه، اتقاءً للفتنة والاقتتال في الفروع، وتركًا للأصول. فأن نجعل مكة قبلتنا في الصلاة، وفي الحياة، هو الأصل.
معركتنا مع أعدائنا الذين يقاتلوننا كافة هي معركة نصوص، وليست معركة وجود للأمة الإسلامية، وإنما أوتينا من قبل هذه الثغرة. وكان ينبغي أن تكون مكة هي جامعة العالم الإسلامي، وأن يتحول خادم الحرمين الشريفين إلى إمام الحرمين، لا أن يكتفي بسدانة البيت وسقاية الحاج.
قال تعالى:
﴿أَجَعَلۡتُمۡ سِقَایَةَ ٱلۡحَاۤجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِۚ لَا یَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾
[التوبة: 19]
والجهاد في هذا العصر ليس بالسلاح، في مواجهة عدو يتفوق علينا بالعلم والتكنولوجيا وقوة الاقتصاد، ويسخّر ثرواتنا لخدمة أهدافه وأجنداته الخبيثة، ويدعم قدراته التي يحاربنا بها، بالفكر والإرهاب والأسلحة الحديثة التي نعلم منها القليل ونجهل الكثير.
في هذا العصر ارتكست الأمة الإسلامية، التي صنعت حضارة إنسانية حكمت العالم لأكثر من عشرة قرون، وكانت شمس الله التي سطعت على الغرب. فقد تناول كثير من الباحثين فضل الحضارة الإسلامية على أوروبا، التي كانت غارقة في ظلمات الفقر والجهل والمرض، وكيف أثّرت اللغة العربية، أمّ اللغات الأوروبية، في اللاتينية، وفي كثير من مصطلحات الطب والهندسة والكيمياء والفلك والقانون ونظم الحياة الاجتماعية والثقافية.
ومن أمريكا برز المفكر المستشرق مارشال هودجسون، الذي أنصف الحضارة الإسلامية ودورها في نهضة الإنسانية جمعاء، في كتابه القيم مغامرة الإسلام في الغرب، الذي لم يجد حظًا من الاهتمام في مناهج التعليم في بلاد الإسلام. وقد قال فيه إن لغة العرب حتى القرن الخامس عشر كانت لغة العلم والحضارة التي سادت العالم، وقال:
«لو هبط رجل من كوكب المريخ وتحدث إلى رجل من أهل الأرض لظن أن كل الأرض تتحدث العربية».
لن نستعيد أمجادنا وقوة حضارتنا ونحن نقرأ التاريخ السياسي للإسلام من زاوية الهزائم العسكرية والتخلف الحضاري، ونغذّي إحساسنا بالدونية، وقد خرجنا تمامًا من دورة الحضارة الإنسانية، لأننا ركزنا على الإسلام السياسي، ومناهج دعوية متخلفة عن العصر ومناقضة للأصل، متجاهلين فقهنا السياسي الذي يدعونا إلى الاعتراف بالآخر واحترامه، إلى درجة القسط والبر.
قال تعالى: ﴿لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَـٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ﴾
[الممتحنة: 8]
لقد أخذنا شعوب العالم بجريرة أنظمتها السياسية وتياراتها الأيديولوجية الباطنية والعلنية، وتركنا الإنسان الغربي الذي لم يقاتلنا في الدين ولم يخرجنا من ديارنا، وهؤلاء هم الذين قصدتهم هذه الآية الكريمة بأن نبرّهم ونقسط إليهم. وهي إشارة واضحة إلى أن الإسلام جعل العدل قيمة إنسانية تتجاوز الدين والمعتقد.
لو قدمنا هذا النموذج في خطابنا الموجه للغرب لهزمناهم بقيمنا الحضارية، قبل الخطاب الدعوي الذي يركز على نصوص منتزعة من سياقاتها الحضارية والفكرية.
قلت ذلك في لقاء تشريفي جمعنا بالملك عبد الله رحمه الله، ضمن ضيوف الشرف لمهرجان الجنادرية، واقترحت أن يجعل من مكة قبلة سياسية وثقافية للعالم الإسلامي، وبيتًا جامعًا لأكثر من ملياري مسلم تعلقت قلوبهم بأستار الكعبة وجلال البيت الحرام.
على العرب أن يخرجوا من قمقمهم المحدود بالمحيط والخليج، الذي يتناحرون بداخله، ويختصمون، ويستنصرون على بعضهم بأعداء العروبة والإسلام. لا بد من الخروج من مأزق العروبة الإثنية، والإسلام العربي التاريخي، الذي رسم صورة واقعنا المتخلف، البعيد بسنين ضوئية عن ماضينا الذي كنا فيه سادة أعزة.
لا مخرج من مأزق العروبة السياسية القطرية إلا بالانفتاح نحو العالم الإسلامي الكوني الكبير، لأن العرب إذا اجتمعوا في قمة عربية اختلفوا وتناحروا، بينما الإسلام دين كوني لا تسعه مذاهب نشأت في أزمنة الفتن والخلافات السطحية بين المذاهب والفرق والطوائف الدينية والباطنية، التي أضلت كثيرًا من أبناء الأمة وعزلتهم عن رؤية الواقع.
ويبقى السؤال: هل يا ترى سينجح العرب في الخروج من مأزقهم التاريخي، الذي صار ضمن أجندة الغرب لتفريقهم وإضعافهم؟
إن الطريق إلى أن تكون مكة جامعة المسلمين محفوف بالمكاره والعقبات، أولها الغرب، الذي سيعرقل هذا المسعى بكل ما له من جبروت وكيد ونفوذ على بعض الدول العربية والإسلامية.
وثانيها العرب الذين ارتبطت مصالحهم بالغرب، والذين طبعوا علاقاتهم مع الكيان الصهيوني، ليكون ذلك أصلًا في إضعاف الدول العربية، حتى لا تنهض بعد سقوط الإمبراطورية الإسلامية العثمانية. فقد تلاقت المصالح الصهيونية مع بريطانيا وفرنسا، اللتين اقتسمتا تركة دولة الخلافة من غنائمها في أنحاء العالم الذي كان تحت حكمها، وكان من نتائج ذلك تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات، وفق اتفاقية سايكس–بيكو، وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، منعًا لقيام إمبراطورية إسلامية جديدة.