عامر باشاب يكتب: النجم كمال ترباس في (عز الجمر) و(الدانات) من حوله بتمر…!!

قصر الكلام

عامر باشاب

النجم كمال ترباس في (عز الجمر) و(الدانات) من حوله بتمر…!!

مبدعو بلادي كغيرهم من جموع الشعب السوداني (الفضل) عانوا ما عانوا من ويلات هذه الحرب اللعينة، والتي بوحشية المعتدي البغيض لم تفرق بين جندي ومواطن وبين حكومة وشعب، وكأنها اندلعت بهذا الشكل العدواني المزدوج لتؤكد حقيقة المصير الواحد لشعبنا وجيشنا، والذي توثقه المقولة الشعبية العتيقة (جيشاً واحد شعباً واحد).
وأذكر فيما أذكر وضمن جملة مهاتفات تفقدية في الأيام الأولى لهذه الحرب (فراقة الحبايب)، أجريت اتصالاً هاتفياً برئيس جمهورية الحب الشاعر الرقيق العميق “إسحاق الحلنقي” للاطمئنان على أحواله وأحوال من حوله، وسألته عن المبدعين من أبناء مدينة كسلا ومن التجأوا إليها نازحين من نجوم الفن، سألته عن (العنبة الرامية فوق بيتنا) و(الطير الخداري والقاش وشمس الصيف)، طمأنني على كل مبدعي (كسلا الوريفة الشاربة من الطيبة ديمة).
ولما سألته عن المطرب الفنان الكبير “كمال ترباس”، أخبرني بأنه ما زال في الخرطوم ولم يبارحها منذ اندلاع الحرب. وبعدها مباشرة، اتصلت على النجم “ترباس” أكثر من مرة، فلم يرد على اتصالي على غير العادة، فانتابني شيء من القلق وتوجست خيفة، فبعثت له بهذه الرسالة النصية:
يا نجم النجوم طمنا عليك..!!
كيف أحوالك، عرفت من “حلنقي” إنك ما زلت موجوداً في العاصمة الخرطوم..؟!
الخرطوم التي كانت تمثل لنا (دار السلام)، فصارت الآن في (عز الجمر)، والدانات والراجمات من حولها وحولك تمر…؟!
صبراً يا صديقي، إنها (طبيعة الدنيا ذي الموج تشيل وتؤدي.. وظروف بتعدي).
و(ياريت ياريت) بعد معاناة شعبنا من هذه الحرب القاسية يتعافى وطننا الجريح، وتسمعنا يا رائع يا جميل (ألحان الربيع) و(إن شاء الله لي تسلم) و(أنت المهم).
بعد وصول رسالتي هذه بدقائق معدودات، تلقيت المهاتفة المنتظرة من أخي وصديقي الفنان “كمال ترباس”، حيث كان حينها مقيماً، أو بالأصح مخندقاً، في الحي الأمدرماني العريق (بانت). طمأنني على صحته وعلى حال وأحوال (أم درمان) و(الخرطوم) ومن فيها من نجوم الفن والإبداع الذين رغم كل هذه المخاطر والأهوال، آثروا البقاء في العاصمة الوطنية، من بينهم المطربون “أبوعركي البخيت” و”صلاح مصطفى” و”عبد القادر سالم”، ومن الشعراء الشاعر “هاشم صديق”، “التجاني حاج موسى”، “مختار دفع الله”.
وأذكر حينها نقل لي صديقي ترباس خبرًا حزيناً، حيث قال لي: انتقل قبل قليل إلى رحمة مولاه بمستشفى السلاح الطبي ملك الروائع اللحنية، سعادة الجنرال الموسيقار “عمر الشاعر”. لحظتها ذرفت دموع مكبوتة بي حسرة وضياع، ولعنت الحرب ومن أشعلوا نيرانها، لأنهم حرمونا حتى من المشاركة في مراسم وداع العديد من المبدعين، نجوم الوطن الذين انتقلوا إلى دار الخلود في هذه الأيام العصيبة، ودعوت بالرحمة والمغفرة لجنرال الألحان والأشجان “عمر الشاعر”، الذي رفد المكتبة السودانية الصوتية بالمئات من الروائع اللحنية الغنائية، أبرزها القصر الذي تم بناءه بغلاوة الريد، ولذلك ظل صامداً خالداً في ذاكرة الوجدان السوداني، لم ولن ينهد، (قصر الشوق)، إضافة إلى أخريات جمعته إبداعياً بالشاعر القدير “التجاني حاج موسى” والمطرب الكبير العندليب الأسمر الراحل المقيم “زيدان إبراهيم”، حيث شكلا معاً مثلثاً إبداعياً متساوي الأضلاع، مشعاً ومشبعاً بالإبداع والإمتاع والإقناع.
آخر الكلام بس والسلام:
في تلك اللحظات العصيبة، والخرطوم أمدرمان في عز جمر الهجمات والاشتباكات، والتدوينات مولعة نار في كل الاتجاهات، دعوت الله راجياً بتعجيل نهاية هذه الحرب، وتعود العاصمة الخرطوم بأكملها إلى حضن الوطن، ويعود إليها كل نجومها ومبدعيها. تهفوا لهم الأمنيات، وتزهو بهم الأمسيات والأغنيات، ونعيد الكان حليل الكان، وتعود أيامنا الجميلة، ونكمل المشوار مشوار السنين الحلوة..!!
ونحمد الله الذي أمد في أيامنا وأطال في عمرنا لنحضر اللحظات التاريخية لعودة الخرطوم، عادت المساجد بخطبها الرسالية، وعادت المسارح والمنتديات الثقافية، والمنافسات الكروية والدورة المدرسية. ويوم أمس الأول، الأحد الحادي عشر من يناير، شهدت الخرطوم عودة الحكومة الاتحادية بقيادة معالي رئيس الوزراء “كامل إدريس”. وكل هذه البشريات ما هي إلا نتاج انتصارات الجيش المتوالية وتضحيات أبطال، منهم من نال الشهادة، ومنهم ما زال يقف بصمود في الخطوط الأمامية، مواصلاً الدفاع عن الوطن العزيز وتحرير كل أجزائه من دنس الأعداء. نصر من الله وفتح قريب.