د. عثمان أبو زيد يكتب: إبلي المشرفات .. وما يطلبه المشاهدون!

إبلي المشرفات .. وما يطلبه المشاهدون!

د. عثمان أبو زيد

الأخ الحبيب حسن فضل المولى
بعد السلام عليكم،
فقد سألتموني عن (خريدة) الشيخ البرعي؛ إبلي المشرفات. وسؤالكم عنها ليس سؤال الباحث عن الإجابة، فالسائل هنا ـ بلا شك ـ أعلم من المسؤول، لكنما أردتم مثل الذي أراده أبو الطيب المتنبي:
قد سألنا ونحن أدرى بنجد
أقصير طريقنا أم يطول؟!
وكثير من السؤال اشتياق
وكثيرٌ من رده تعليل
ودَعْنا أولا نقرأ ما جاء في بابكم المطروق (فلاش باك)، ثم نعقب عليه…

فلاش باك ..
أخي الدكتور عثمان أبوزيد ..
تحياتي ..
أذكر جيداً والمذيع (الطيب عبد الماجد)
يجري ذلك الحوار الذي لم يتكرر
مع الشيخ (عبد الرحيم البرعي)،
في برنامج (مشوار المساء) في (تلفزيون السودان)، في (حلقةٍ)
امتدّت لأكثر من (ثلاث ساعات)،
أذكر أنك هاتفتني، وطلبت مني
بإلحاحٍ مُلِح أن نطلب من الشيخ (البرعي) مدحة:
(إِبِلِي المُشْرِفَات وَسِمْهن فَاخِر
يَنْفَعنِي دَرَهِن فِي الْيَوْم الآخِر)
وقد كان..
وأدَّى (أولاد البرعي) القصيدة
في تلك (الحلقة) المحضورة،
والتي شارك فيها الفنان (الجيلي الشيخ)، بمدحة (مصر المؤمنة)،
و (أماديح) أخرى، من نظم الشيخ (البرعي)، وقد أقلع بعد هذه
الحلقة عن الغناء وتعَلَّق بالمديح،
إلى يومِنا هذا..
ولعل هذا التسجيل لهذه القصيدة،
والذي تم بطلبٍ منكم، هو الأول
والأخير..
ومنذ ذلك الحين،
والذي يبعد عن يومنا هذا (بربع قرنٍ) من الزمان،
أجدني عاجزاً عن استيعاب مقاصد
الشيخ (عبد الرحيم البرعي) من هذا (النص) الذي تجاوز (الستين بيتاً)..
فليتك تبْسُط لنا، في مَلْمَحٍ عام، ما خفي عنا، من معانٍ مُستبطَنةٍ، إن كنت من المُلِمين..
و تجدني لَهِفاً على ذلك ..
و مودتي ..
حسن فضل المولى ..
٢٦ يناير ٢٠٢٦ ..

نعم أخي حسن، كنت أشاهد ذلك اللقاء الفريد في التلفزيون مع الشيخ عبد الرحيم البرعي، ولما أوشكت الحلقة على النهاية اتصلت بكم وكنتم مديرا عاما للبرامج في التلفزيون آنئذ، ولقلة صبري اتصلت أيضا بمدير التلفزيون الطيب مصطفي وقلت: أرجو ألا ينتهي اللقاء قبل تقديم قصيدة (إبلي المشرفات). وبعد قليل رأيت ورقة صغيرة تدخل إلى الأستديو، وما أن بدأ أولاد البرعي بالترنم بالقصيدة حتى ضج الأستديو وقام البرعي نفسه (يبشر)!
لما التقيت بالأخ الطيب فيما بعد قال لي ضاحكا: تعمل لينا برنامج في التلفزيون نسميه (ما يطلبه المشاهدون)!
كانت قصيدة (إبلي المشرفات) جديدة في ذلك الوقت وغير مسموعة، سمعتها وأنا أرافق الأخ محجوب عروة في طريقنا إلى قرية (الجميعابي) لنعزي في وفاة عبد المتعال الجميعابي.
لعل أفضل شرح للقصيدة ما نقله أبو الدهب علي عن يوسف محمد طاهر الشيخ البرعي، وسوف استعين به في تعليقاتي التالية:
إبْلِي المُشَرَّفَات وَسِمِهنْ فَاخِرْ
يَنْفَعنِي دَرَّهِنْ في اليَوْم الآخِرْ
الإبل لها حضور لافت في الثقافة العربية والسودانية، ويرمز الشيخ البرعي للقرآن الكريم بالإبل، وهي إبل مشرَّفةٌ، وزينة، وهي إبل أصيلة، كما سيجيئ في الأبيات التالية، موسومة أي معلَّمة بوسم فاخر، وإنتاجها (دَرُّها) أسرار وأنوار وفوائد تنفع في يوم القيامة.
وتشبيه القرآن بالإبل موجود في الحديث الشريف، جاء في صحيح البخاري: إنَّما مَثَلُ صاحِبِ القُرْآنِ كَمَثَلِ صاحِبِ الإبِلِ المُعَقَّلَةِ؛ إنْ عاهَدَ عليها أمْسَكَها، وإنْ أطْلَقَها ذَهَبَتْ.
ما هِنْ مَسَاخِرْ
حَازَنْ مَفَاخِرْ
شَحَنَنْ بَوَاخِرْ
في البَحْر الزَّاخِرْ
كلمات واضحة من السهل الممتنع. ينفي الناظم عن سور القرآن أن تكون موضِعَ سُخرية، بل تحمِل المجدَ والفضائلَ.
فالشيخ ـ كما يقول الشارح ـ يرمز إلى أنَّ القُرآنَ ليس موضِع لَهْوٍ أو جِدالٍ، بل هو مصدر المجدِ والرِّفْعةِ لِكُلِّ من ينتسِبُ إليه، وبه امتلأتِ الأرواح الصَّافية والقلوب الطاهرة، فأبحرتْ ونَجَتْ من الغرق في بحر الدنيا العميق.
هِيَ إبلًا زَيْنَة
في المَحْفَل زِيْنَة
شَايلَات خَزِيْنَة
للفَائزِيْنَا
والقُرآن كلام الله تعالى، ولله المثل الأعلى، وإنما تشبيه الإبل التي تحمل الكنوز بمثابة تقريب المعنى إلى الأفهام، وهي كنوز يصل إليها الفائزون وحدهم دون سواهم ممن حرمهم الله حين هجروا القرآن.
ما هِنْ مِنْ سُوق “تَمْبُولْ”
ولا مِنْ عِيَال شَنْبُولْ
رَاعِيهِنْ يوت مَقْبُولْ
سِتْر اللَّٰه عَلَيهْ مَسْبُولْ
هذه الإبِل ليستْ مُشْتَراة من سوق “تمبُول” وهي السوق المشهورة شرق الجزيرة، وليست مجلوبة من “عيال شنبول” و”الشَّنابلة” من قبائل السودان المشتهرة برعي الإبِل وموطنهم شمال كردفان.
ولعل الإشارة إلى فرادة القرآن على هذا النحو استدراك من الناظم تنزيها لكلام اللَّٰه تعالى من كُلِّ مُضاهاةٍ لكلام البشر.
كلمة (يوت) في عامية السودان تعني باستمرار أو دائما، وفي الشعر الغنائي: “شوفتك كالبَدُر في عينِي يوت يتلالا”.
وراعي الإبل، والمقصود منه بالطبع هو قارئ القرآن وحامله؛ يكون مقبولا على الدوام، مشمولا بستر الله.
وقصص الناس الذين ارتقى القرآن بهم وبحياتهم حتى حازوا الرتب والشرف مشهورة في تراث السودانيين. يذكرون مثلا الشيخ علي بيتاي الذي استقدمه الإمام عبد الرحمن المهدي إلى أم درمان ليكتب له مصحفًا، وأمر بأن يذبح له كبش كل يوم، ويُطعَم من كبدته.
للطَّالِب تَمْتَحِنْ
بمَوَدَّة ورَأفَة وحِنْ
للغَنَّىٰ بِهَا يُلَحِّنْ
تَرْزِم باللَّيل تَحِنْ
يقول الشارح: هٰذه الإبِل تمتحنُ الطَّالب الصَّادِق، وتمنحه الرَّحمة والحنان، وكذٰلك لِمَنْ لَهَج بذكرها وردَّده كثيرًا فهي “ترزِم” في الليل وتحِن.
يُشير إلى أن القرآن يختبر الصادقين في طلبه، ويعطيهم حسب نيَّاتهم، ويرتلونه بالمحبَّة، ويُسمع له أنين عند الأسحار مثل النُّوق.
مَرْتَعها في الأسْحَارْ
ونُزُول البَرْد الحَارْ
ما بتَالف ابْ طَبْعًا حَارْ
اليَرْوَىٰ بَارِد وحَارْ
والمرتع محل رعي الماشية، ووقت الأسحار هو مسرح هٰذه الإبِل، والسحر آخر الليل وقت مبارك، قال سفيان الثوري: “إنَّ لله ريحًا يقال لها: الصبَّحية تهب وقت الأسحار تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبَّار”.
انظر إلى قول الناظم: “ونزول البرد الحار”… عجيب أن يوصف البرد بالحرارة، وهي كناية عن الشِدة، وصف مجازي لا علاقة له بالحرارة الحسية.
وقد أشكل علينا المعنى في الشطر الثاني، ولذلك استعنا بما أورده شارح القصيدة بأنه “إشارة إلى أن القرآن لا يتفتّح نوره إلا في الأسحار، وفي قلوب هادئة، بعيدة عن الطَّيش، وكذٰلك يتميَّز أصحابه بخِفَّة الجَوف وعدم امتلائه”.

إبلًا مِنَ الأسْلَافْ
مَحْفُوظَة مِنْ تَلَافْ
الوَاحدة غَيْر خِلَافْ
تَلِد العَشَر آلَافْ
والقرآن الكريم محفوظ ومتوارث من الأسلاف، سالمًا من أي تصحيف أو تحريف، ومن ألغاز بعض القبائل في غرب السودان: “من زمن النبي قاعد صبي” والمعنى هو القرآن. الواحدة من سور القرآن تنتج الآلاف من المعاني والهوادي والقيم.

إبلًا أصِيْلَة
جُمْلَة وتَفْصِيْلَا
رَبَّتْ فَصِيْلَه
بُكْرَة وأصِيْلَا
أصالة القرآن ثابتة على الجملة والتفصيل. يتربى طلابه وقراؤه على قيم الأصالة في كل وقت. والفصيل هنا رمز للقارئ مريد القرآن.

رَاعِيهِنْ قَام مَبْسُوطْ
في يَدُّه سِبْحَة وسَوطْ
يَعْجِن للنَّاس يَسُوطْ
بي كَفِّه المَبْسُوطْ
وهنا إشارة لصفات مريد القرآن الذي يستيقظ من نومه ممتلئًا بالمسرة ذاكرا الله تعالى، وهو في الوقت نفسه متأهب لصنع الطعام للزائرين، ولم نر مثل أصحاب خلاوي القرآن ومشايخ الصوفية في الإكرام وإطعام الطعام والقدرة على كفاية زائريهم مهما بلغ عددهم. قرأت في كتاب للكاتب النرويجي نوردستام عن الشخصية السودانية حكاية سائح أوروبي أقام أسبوعين عند أحد المشايخ في أبو حمد، وكان الشيخ يذبح لهذا السائح كل يوم خروفًا ويقدم له أطايب الطعام، وعندما أراد السائح المغادرة طلب (الفاتورة)، ظنًا منه أن إقامته بمقابل مادي، فأنكر عليه الشيخ ذلك أشد الإنكار متعجبًا من هذا الضيف الذي يجعل ما قام به من واجب في دائرة “الفواتير” التجارية، ومعتبرًا ذلك طعنًا في شرف الضيافة.

رَاعِيهِنْ ذا النُّورَينْ
قَيْدُومَة للسَّارِينْ
أصْحَابها مُتضَارِينْ
بي وَبَرْها في الدَّارَينْ
ذو النورين، هو سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، في عهده جُمع القرآن الكريم.
والقيدومة في لغة أهل السودان، حفل يسبق أيام العرس تمهيدًا للزفاف. وأصحاب القُرآن يتدثَّرون بالقرآن ويتغطُّون ببركته في الدنيا والأخرى، فهو سبب بلوغهم أعلى المراتب عند ربهم.
عِنْد سَادَتِي البَادْرَابْ
والطيبية يا أحْبَابْ
أعْرَاكنا أهْل البَابْ
وأبْوَاتنا اليَعْقُوبَابْ
وهذا مسرد لبعض مدارس الذكر في السودان: البادراب، والطيبية، والأعراك، واليعقوباب.

إبِلْنَا يا مَعْشَرْ
مِيَّة وأرْبَعْطَاشَرْ
تَجِي حَامْلة في المَحْشَرْ
بي رُعَاتَه تِسْتَبْشَرْ
وهذا عدد سور القرآن تأتي يوم القيامة تبشر أهلها عند المحشر، بما أسلفوا من الخدمة تحفيظًا وتعليمًا واستقامة بهديه القويم.

بَرَّاقًا لَاح مِنْ جَايْ
سُوح قِبْلَتِي ورَجَايْ
حَار فِكْري تَاهْ جَايْ جَايْ
لمتين أزُور مَلْجَايْ
والبرق هنا أيضا رمز وقد يكون معنويًا أو حسيًا، ففي الغرب الأقصى والأوسط من إفريقيا يسمون الشرق (دار صباح) حيث تشرق منه الشمس، وتتجلى منه أنوار الهداية. ويتساءل الناظم عن وقت الوصول إلى ملجئه.

صَلَوَاتًا نَافِيَة العَدْ
لي ود قُصَي ومَعَدْ
بُرعي النَّظَم يَسْعَدْ
للدَّرَجَة الفَوق يَصْعَدْ
وتختتم القصيدة أبياتها كما يعتاد المادحون بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يبعث بها الناظم البرعي من غير عدد سائلا الله أن تكون الصلوات سبب سعادته ومرقاه إلى أعلى الدرجات.