
عبد اللطيف السيدح يكتب: تدثرت أم القرى بالعمامة وتزمل الوطن بالشماغ
في احتفالات السودانيين بذكرى استقلال وطنهم بمكة المكرمة.
تدثرت أم القرى بالعمامة، وتزمل الوطن بالشماغ
عبد اللطيف السيدح

الليلة المكية الخالصة التي جمعت أبناء السودان بضيوفهم بمناسبة مرور 70 عاماً على ذكرى استقلال وطنهم جاءت أكبر من موعدٍ في رزنامة الاحتفالات، وأعمق من احتفال يؤدَّى ثم يطوى، كانت ليلة عمر بحق حين لبست السعودية عمامة السودان، وارتدى السودان شماغ أرض الحرمين، وتعانقت الذاكرة والهوية في قصر الشموخ بالشرائع، احتفاءً بسبعين عاماً من الحرية التي انتُزعت من بين فكي المستعمر البغيض، وكتبت سطورها بعرق الرجال ونبض الأوطان.
لقد جاء الإحتفال برعاية كريمة وحضور أنيق من سعادة قنصل عام جمهورية السودان الدكتور كمال علي عثمان طه، ونوابه القناصل والمستشارين، وغمره كرما بنك الخرطوم وزينه بالماس والألماظ.
ثم بلغ المشهد تتويجاً ووقاراً وهيبة، بتزيين اللوحة بالحضور السعودي السوداني من وجهاء، وشيوخ، وتجار وصنّاع، وأطباء، ومهندسين، وإعلاميين، ومن رجالٍ ونساء وطلاب المدارس بمكة المكرمة، فبدت القاعة البيضاء كخريطة حيّة للوئام، لا تُقرأ بالحدود بل تُفهم بالقلوب.
ثم جاءت اللقطة الفلتة التي طارت بجناحين وغادرت الحفل في ثوان معدودة إلى فضاء العالم، فصارت (ترنداً) وحصدت ملايين المشاهدات، لأنها لم تكن مشهداً عابراً بل رمزاً مكثفاً حين هش وبش الصحفي السعودي خميس الزهراني أثناء خطابي عن مملكة الإنسانية، قيادة وحكومة وشعبا، فتناول بلطف العمامة من على رأسي، وزينه بالشماغ والعقال، فكانت لحظةٌ قصيرة الزمن، طويلة الدلالة، فصافح الشماغ العمامة، وعانقت العمامة الشماغ، وكأن الرأسين اتفقا قبل الأيدي أن الهوية حين تلتقي لا تذوب، بل تتكامل، فلا فرق بين زيٍّ على آخر، إنما الزي ليس قطعة قماش بل سيادة للمعنى، وأخوّة تُلبس، ومحبّة تُرى، ووحدة مصيرٍ تُعلن بلا بيان.
لقد كانت تلك اللمحة قصيدة بلا قافية، وخطبة بلا منبر، وحكاية لا تنتظر مترجما، وتولت الهواتف الذكية مهمة نقل المشهد للعالم الذي أيقن أن الشعبين السوداني والسعودي لا يشاركهما أحد في قيم الكرامة، والأصالة، والوفاء. وهكذا خرجت الليلة من كونها احتفالاً بالاستقلال فقط، لتغدو استثمارا لوشائج الجوار، والعلاقات التاريخية، وأواصر العقيدة والعروة الوثقى التي لا انفصام لها وقد انتصرت الصورة على آلاف الخطب، بعدما عجزت الألسن عن الإفصاح.