الحاج الشكري يكتب: مشروع غني وأهله فقراء

نقطة وسطر جديد

الحاج الشكري

مشروع غني وأهله فقراء

 

طلب مني بعض الإخوة الكتابة عن مشروع الرهد الزراعي ومشكلاته وعقباته، وهو طلب مهم وغالٍ، وأمر واجب التنفيذ، لأنني ابن هذا المشروع، ترعرعت فيه، ونلت من نعيمه، وتعلمت من خيراته، ولهذا فإن هذه فاتورة واجبة السداد. وما فائدتنا إن كنا كبارًا في أسمائنا، صغارًا في المساهمة في حل مشكلات مجتمعاتنا. نعم، أقل واجب حمل هذه المشكلات ووضعها على طاولة المسؤولين وطرق أبوابهم باستمرار، حتى لا يهنئوا بالنوم في بيوتهم الأنيقة أو مكاتبهم الوثيرة التي وفروا فيها كل أسباب الراحة، وفي ذات الوقت من يجلسون من أجلهم من مزارعين في مشقة وتعب، والمسؤولون تبدو على وجوههم المتعة والراحة والدعة، ولكن للأسف هذا لا يحدث إلا في السودان.
سبق أن طالبنا السيد الدكتور كامل إدريس، رئيس الوزراء، بزيارة مشروع الرهد الزراعي والوقوف على مشكلاته، وكنا نظن أن كامل إدريس أول من يبدأ به عمله زيارة كل المشروعات الزراعية والوقوف على مشكلاتها بنفسه، ومن ثم السعي بجدية وهمة لحل كل المشكلات والعقبات التي تعيق تطور هذا القطاع المهم. نعم، كنا نظن ذلك لأن الرجل، كما تابعنا سيرته الذاتية، لديه أطروحة اقتصادية لإنقاذ السودان تحمل اسمه، ولكن للأسف كثير من الناس يقولون ما لا يفعلون، وفي كل واد يهيمون.
عزيزي د. كامل إدريس، مشروع الرهد يعاني من بنية تحتية متهالكة، وطلمبات أكل عليها الدهر وشرب، وقنوات ري محطمة، وترع مندثرة، وكادت أن تصبح مسطحة بعد أن انعدمت فيها حتى مياه الشرب للإنسان والحيوان معًا، في مشروع يعد الثاني في السودان بعد مشروع الجزيرة.
الزراعة، كما هو معروف، تحضيرات مبكرة من ري وتقاوٍ وتحضيرات الأرض، وكل هذه الجوانب في الرهد فيها مشكلات ومعوقات لا حصر لها، مما اضطر آلاف المزارعين وأبنائهم لهجر الزراعة والبحث عن مهن هامشية أخرى، بعد أن عاشوا سنوات خصب كادت أن تجعلهم من أغنى أهل السودان. وأنا أذكر في سنة واحدة امتلك أهل قريتنا بجنوب الفاو، القرية (4)، أكثر من عشرين عربة، وتحسن حال أهلي في تقدم سريع، حتى أطلق عليها بعض أهل القرى المجاورة (الكويت) لما حظيت به من ثراء بسبب نجاح المشروع في زمنه الجميل. أما الآن فحدث ولا حرج، أصبحوا للأسف فقراء في مشروع غني جدًا بأرضه وموقعه، وفقير جدًا جدًا بسياسات وعجز مديريه ومسؤوليه.
أخي دكتور كامل إدريس، إذا أردت أن تنجح، اهتم بالمشروعات الزراعية، واضع المزارعين في قمة اهتماماتك، وحاسب من باع محالج الرهد بصفقة فساد نتنة، وأرجع للمزارعين حقوقهم من شركة الأقطان، وأن تنبع أفكارك من خارج الصندوق، وأن تبتعد عن سياسات الحكومات السابقة التي أفقرت أهلي المزارعين، عندما كانت تدعم المستهلك بدلًا من أن تدعم المنتج، وتلك سياسة استفاد منها كل الأجانب من أحباش وجنوبيين وغيرهم، وزادت الأغنياء غنى وفقراء المزارعين فقرًا، وحطمت المشروعات الزراعية التي كانت تمثل عصب الاقتصاد حينما كان الجنيه السوداني يساوي أكثر من ثلاثة دولارات. ولكن للأسف عندما انحرفنا عن دعم هذا القطاع تهاوى الجنيه السوداني وانخفض أمام الدولار تقريبًا أكثر من مليون مرة، وكاد أن يصل لمرحلة الانهيار الكامل، وحتمًا سنصل لمرحلة هذا الانهيار الكامل إن لم نهتم بالزراعة والمزارعين، فهم نفط وذهب السودان الحقيقي. اللهم إني قد بلغت فاشهد.