بندقية ود الحليو .. ومس تاتشر

بندقية ود الحليو .. ومس تاتشر

عماد البشرى

جاء في آخر المهازل أن طالباً في قرية ود الحليو بكسلا أراد قتل مدير مركز امتحانات الشهادة الثانوية لمجرد أنه تم عقابه لضبطه متلبساً في حالة غش. هنا ينتهي الخبر، لكن الخبر الحقيقي يبدأ في طريقة تعاطي الطالب نفسه للعقاب، وهي الإتيان ببندقية ومحاولة القتل، واستعداده الغريب للعنف المؤدي للموت، وعدم تقدير لهيبة المعلم نفسها ولا قيمتها، ولا حتى اعترافه بالخطأ نفسه وجرمه الأول في البحث عن طريقة للغش في الامتحان.
كل ذلك ينذر بأننا وصلنا مرحلة عنف الطالب أمام المعلم، وفي امتحان هذا العام العنف له صورتان، إحداهما بدأت بفتاة الحسبنة على المراقبتين وبجاحة طلبها بإتاحة فرصة السرقة، والثانية ببندقية ود الحليو والطالب الذي يريد أن يكون (أدهم الشرقاوي).
الحادثتان تؤكدان شيئاً خطيراً، هو خلل كبير في منهج التربية في السودان، ولعل قناعتي الكبيرة، ولأني بدأت حياتي المهنية معلماً وكنت وما زلت محباً لهذه المهنة ومحترماً لها، كنت حريصاً وقتها على مسألة العقاب البدني للطلاب في حالات النشوز عن السائد من الأخلاق، وهو أمر دعت له قديماً المرأة الحديدية مس تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا، عندما دعت لتشريعات العقاب البدني في البرلمان.
لكن محاولة تدليع الطلاب ومنحهم مساحة للحوار في المدارس يبدو أنها أوصلتنا للحسبنة والبندقية، فأي حوار ندعو؟
واضح تماماً أن الكثير من السودانيين لا يحسنون فهم ديمقراطية الحوار، وأن هذه الديمقراطية تفضي لطرق وعرة ومسالك يجب قفلها بقوة القانون الرادع فقط، لبدائية الكثير من العقول السودانية التي ترى في لين لغة الخطاب ضعفاً.
يجب أن تُصاغ تشريعات جديدة لوزارة التربية والتعليم لتعيد تربية الأجيال القادمة، وإلا سنصحو على حركات مسلحة في المدارس تطالب بإقالة أستاذ فلان من مادته أو نقل مس فلانة إلى مدرسة أخرى، وربما يأتي يوم يقف فيه مدير المدرسة ليحيي طالباً يتزعم فصيلاً متمرداً داخل مكتبه وينتظره بشاي الصباح.
إن بندقية ود الحليو أكملت تماماً بشاعة الصورة في بلد المليون حركة ومليار متمرد، فبأي وطن تحلمون؟.