
د. حسن محمد صالح يكتب: اليوم العالمي لحرية الصحافة (واقعنا)
موقف
د. حسن محمد صالح
اليوم العالمي لحرية الصحافة (واقعنا)
يصادف يوم الثالث من مايو من كل عام اليوم العالمي لحرية الصحافة، بمعناها الشامل: المقروءة والمسموعة والمرئية، بالإضافة إلى الشبكة العنكبوتية التي دخلت المجال حديثًا وحجزت لنفسها موقعًا متقدمًا، كما يحدث الآن في وسائط التواصل الاجتماعي التي أصبحت الناقل الأساسي للأخبار والمعلومات بعد أن توقفت الصحافة الورقية على أثر جائحة كورونا.
وقد جاء تخصيص اليوم العالمي لحرية الصحافة في مؤتمر وينداهوك في العام ١٩٩١م دعمًا من قبل منظمة اليونسكو لحرية الصحافة، بعد أن فقد العديد من الصحفيين أرواحهم في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية وهم يقومون بأداء واجبهم المهني في تغطية الأخبار في مناطق النزاعات والحروب حول العالم، ويقدمون الأخبار الصحيحة والتقارير الصحفية المهنية.
لا تختلف حرية الصحافة عن حرية التعبير، وهي حق من حقوق الإنسان التي كفلتها كافة المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في ١٠ ديسمبر ١٩٤٨م، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر في ١٩٦٦م، ونصت العديد من المواثيق الإقليمية على حق الإنسان في التعبير وعلى حرية الصحافة (منها الأمريكية والأفريقية والعربية والإسلامية). وقد قامت الدول والحكومات بتضمين المواثيق الدولية لحرية الصحافة في الدساتير الوطنية والقوانين المؤسسية التي تصدرها لتنظيم مهنة الصحافة، غير أن كل الحكومات، وخاصة في العالم الثالث وأفريقيا والبلاد العربية، ظلت تمارس التضييق على الصحافة والصحفيين، والأدهى والأمر أن القوانين التي تحكم الصحافة في كثير من بلداننا، ومنها السودان، ليست هي قوانين الصحافة، وإنما قوانين أخرى، مع وجود قانون للصحافة (منها القانون الجنائي وقانون جهاز الأمن الوطني وغيرها). وقد منح قانون الأمن جهاز الأمن الوطني سلطات واسعة، منها مصادرة الصحف بموجب المادة العاشرة من القانون، إلى جانب فرض الرقابة القبلية على الصحف في كثير من الأحيان.
وخلال العهد السابق، وعلى الرغم من التطور الفني والتقني الكبير الذي شهدته الصحافة بكل أنواعها (إذاعة وتلفزيون وصحافة ورقية)، إلا أن السودان احتل المرتبة الأولى في العالم في مصادرة الصحافة الورقية (بعد الطبع)، ومن يقوم بالمصادرة هو جهاز الأمن، وأسوأ ما في تلك الممارسة هو تعريض الناشرين لخسائر مادية، مما يعد عقوبة من غير محاكمة، لكون المصادرة حسب القانون لا تتم إلا بمحاكمة. وفي رأيي لم يتحسن وضع الصحافة كثيرًا عقب الثورة، والسيد رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك محقًا عندما قال في كلمته التي ألقاها بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة: ما حققناه في مجال حرية الصحافة دون الطموح.
وأذكر في إحدى المقابلات التلفزيونية عقب الثورة، على أيام المجلس العسكري، وقبل أن تضع قحت رجلها بالكامل على التلفزيون وتحوله إلى جهاز من أجهزة الدعاية السياسية، سألني مقدم البرنامج عن رأيي في حرية الصحافة (قبل الثورة وبعدها)، وكان ردي أن الصحفيين قد كافحوا نظام الإنقاذ وانتزعوا هامش الحرية وفتحوا المجال للأحزاب السياسية والناشطين لكي يطرحوا وجهة نظرهم، وبعد الثورة يعاني الصحفيون من الاتهام بأنهم كانوا أبواقًا للنظام السابق، والمشكلة الثانية هي الرقابة الذاتية (وهي من أخطر أنواع الرقابة) التي يفرضها الصحفي على نفسه (ذاتيًا) بدافع الخوف من التصنيف السياسي أو عدم وضوح السياسات، وسيطرة بعض الناشطين على المشهد وممارسة الترهيب باسم الثورة وغيره.
ونختم بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة بأن كثيرًا من الخدوش قد أصابت حرية الصحافة على يد لجنة إزالة تمكين النظام السابق، والتي دشنت عملها بإغلاق صحيفة الرأي العام والسوداني، وقد عادت الأخيرة بشروط، كما أغلقت قنوات الشروق الفضائية وطيبة، وقد تم كل ذلك بحجة الملكية، ونحن كباحثين نعتبر منع الأجانب من امتلاك الصحف انتهاكًا لحرية الصحافة، ناهيك عن كون المالك للمؤسسة الإعلامية سودانيًا. وما تم التعدي عليه ليس المالك أو الناشر كما في القوانين السودانية، ولكن المتعدى عليه هو حق الجمهور في الوصول إلى الأخبار من خلال الصحيفة أو القناة أو المحطة الإذاعية، لأن المبرر الذي حصل بموجبه المالك على الترخيص للوسيلة الإعلامية التي يمتلكها هو تقديم الإعلام والمعلومات والأخبار والتثقيف والترفيه للجمهور.
وطالما أن السودان يعيش في ظل الثورة والتغيير والحرية، لا بد من أن يكون الإعلام حرًا، ولا يحدث ذلك إلا بإصدار قانون لتنظيم الحرية الصحفية والإعلامية يجعل من الصحافة السلطة الرابعة إلى جانب السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية التي تحدثنا عنها سابقًا، وفي مناخ الحريات تنمو الصحافة وتزدهر، فقط امنحوها هذه الفرصة.