
سهر الشوق في العيون النبيلة
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
سهر الشوق في العيون النبيلة
شعراء وفقراء وأمراء
استدعى أحد الملوك، الشعراء إلى قصره، فصادفهم شاعرٌ فقير بيده جرّه فارغة كان متوجهاً بها إلى البحر ليملأها ماء، فرافقهم الأخير إلى قصر الملك إلى أن وصلوا القصر؛ وقد بالغ الملك في إكرامهم والإنعام عليهم.
ولما رأى الملك الرجل وعلى كتفه الجره وثيابه الرثه، سأله : من أنت؟ وما حاجتك؟
فأنشد الفقير:
لما رأيتُ القوم شدوا رحالهم
إلى بحرك الطَّامي أتيتُ بجرتي
فقال الملك: املأوا جرته ذهباً وفضةً، فحسده بعض الحاضرين، وقالوا للملك: إنه فقيرٌ مجنون لا يعرف قيمة هذا المال، وربما أتلفه أو ضيعه.
فرد الملك: هو ماله يفعل به ما يشاء،فمُلئت جرته ذهباً، وخرج إلى الباب ففرّق المال على جميع الفقراء،وقد بلغ ذلك الملك، فاستدعاه وسأله عن ذلك، فقال الفقير:
يجودُ علينا الخيّرون بمالهم
ونحن بمالِ الخيّرين نجودُ
فأُعجب الملك بجواب الفقير، وأمر أن تُملأ جرته عشر مرات، وقال: الحسنةُ بعشر أمثالها.
حاشية:
وكان الشاعر والمسرحي والصحفي خالد أبو الروس يُعلق على الحكاية بطريقته الساخرة (الشعراء ديل حسادتن أصلوا ما بخلوها).
من هو السيد؟
سُئل أحد الكرماء من هو السيد؟
فقال: السيد من يكون للأولياء كالغيث الغادي، وعلى الأعداء كالليث العادي.
حاشية:
هذا الرجل بهذه الموصفات يصلح بأن يكون إمام مسجد وقائد كتيبة.
سهر الشوق في العيون النبيلة
دخلت امرأة عجوز على السلطان سليمان القانوني تشكو إليه جنوده الذين سرقوا منها ماشيتها بينما كانت نائمه . فقال لها السلطان كان عليك أن تسهري على مواشيك و لا تنامي . فأجابت العجوز : ظننتك ساهراً علينا يامولاي فنمت مطمئنه البال.
حاشية:
من أراد ان يصبح حاكماً يَجِدُ رضى الله والناس فعليه بمشقة السهر، عبادة ومراقبة مثل( طيرالسُّقد) كما يقول أهل السودان.
وتحضرني أبيات الفصيح الشعبي بالعامية السودانية الفصيحة:
البارح طُوير السُقدة ما وازرني
قلبي مِسّدِي ظنيتو البريدو ذَكرنِي
مافيش مانع إن دَار دمي وان أفقَرني
مع إخلاصو معصوم ما جَسَر ناقَرنِي
الأطباء المؤسسون
يقول الدكتور صبري الدمرداش العالم والمفكر والأستاذ الجامعي المصري البارز وقد اشتهر بجهوده العلمية في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
(كان الطب معدوماً فأوجده أبقراط ميتاً فأحياه جالينوس مشتتاً فجمعه الرازي وناقصاً فأكمله ابن سينا).
حاشية:
ذكرى هؤلاء الكبار يجب أن تُحفظ مع (البنسلين يا التمرجي).
نحن عُملاء الشافعي
قال الإمام الشافعي رحمه الله: أشد الأعمال ثلاثة:
1_ الجود من قلة.
2_ والورع في خلوة.
3_ وكلمة الحق عند من يرجى ويُخاف.
حاشية:
كل ما وجدت شعِراً أوعبارة أو فكرة لسيدي الإمام الشافعي وثَقتُها وأنا سعيد بأن أكون أحد (عُملاء) الإمام الشافعي قدس الله سره.
الثلاثية القاتمة
دخل شاعر على رجل بخيل فامتقع وجه البخيل وظهرعليه القلق والاضطراب، وظن أن الشاعر سيأكل من طعامه في ذلك اليوم وإلا فإنه سيهجوه. بيد أن الشاعر انتبه الى ما أصاب الرجل فترفق بحاله ولم يطعم من طعامه ومضى عنه وهو يقول
تغير إذ دخلت عليه حتى
فطنت فقلت في عرض المقال
علي اليوم نذر من صيام
فأشرق وجهه مثل الهلال
حاشية:
لم أر في عيوب الرجال عيباً أخس من الجبن والبخل والخيانة.
السينية الثنية
إن سينية البحتري برصانتها وتميزها أغرت الكثير من الشعراء في كل العصور بمجاراتها والتي صَدَّرها بالمطلع الشهير
صُنْتُ نفسي عما يُدنِّس نَفْسي
وترفَّعْتُ عن جَدَا كلِّ جِبْسِ
فلا تجد شاعراً راسخ القَدمِ في أودية القريض إلا كانت له سينية ومنها سينية شوقي التي يبتدرها بقوله:
اِختِلافُ النَهارِ وَاللَيلِ يُنسي
اُذكُرا لِيَ الصِبا وَأَيّامَ أُنسي
ومن شعراء المِهجرأطلت رائعة إيليا أبو ماضي وكأنها باسقة زيتون على شط بَرَدَه وهي قصيدة نُهديها لمحبي الشعر للأنس والحفظ والاحتفاظ.
لَم يَبقَ ما يُسليكَ غَيرُ الكاسِ
فَاِشرَب وَدَع لِلناسِ ما لِلناسِ
ذَهَبَ الشَبابُ عَلى الشُجون تَبُثُّها
لِأَخٍ مُؤاسٍ أَو لِغَيرِ مُؤاسِ
وَعَلى الحَياةِ تَحارُ في أَطوارِها
وَتَحارُ في تَعليلِ كُلِّ نَطاسي
ثُمَّ اِستَفَقتَ وَلَيسَ في رَوضِ المُنى
إِلّا الضَبابُ وَغَيرُ شَوكِ الياسِ
وَجِراحُ نَفسٍ يَنظُرُ الآسي لَها
فَيَعودُ مُحتاجاً لِآخَرَ آسِ
الحِسُّ مَجلَبَةُ الكَآبَةِ وَالأَسى
قُم نَنطَلِق مِن عالَمِ الإحساس
وَأَرى السَعادَةَ لا وُصولَ لِعَرشِها
إِلّا بِأَجنِحَةٍ مِنَ الوَسواسِ
فَكَأَنَّما هِيَ صورَةٌ زَيتِيَّةٌ
لِلشَطِّ فيهِ مَراكِبٌ وَمَراسي
تَبدو لِعَينَيكَ السَفائِنُ عُوَّماً
وَتَكادُ تَسمَعُ رَعشَةَ الأَمراسِ
لَكِن إِذا أَدنَيتَها وَلَمَستَها
لَم تَلقَ غَيرَ الصِبغِ وَالقِرطاسِ
دُنيا مُزَيَّفَةٌ وَدَهرٌ ماذِقٌ
ما في اِنفِلاتِكَ مِنهُما مِن باسِ
إِنَّ اللَذاذاتِ الَّتي ضَيَّعتَها
رَجِعَت إِلَيكَ عُصارَةً في الكاسِ
فَاِصبِغ رُؤاكَ بِها تَعُد ذَهَبِيَّةً
عطِريَّةَ الأَلوانِ وَالأَنفاسِ
وَاِخلِق لِنَفسِكَ بِالمُدامَةِ جَنَّةً
في الأَربُعِ المَهجورَةِ الأَدراسِ
الحُبُّ فيها بُلبُلٌ وَخَميلَةٌ
وَنَدىً وَأَضواءٌ عَلى الأَغراسِ
يا أَيُّها الساقي أَدِر كاساتِها
كَمَشاعِلِ الرُهبانِ في الأَغلاسِ
وَاِنسَ الهُمومَ فَلَيسَ يَسعُدُ ذاكِرٌ
وَاِسقِ النُجومَ فَإِنَّها جُلّاسي
وَاِصرَع بِها عَقلَ النَديمِ وَلُبَّهُ
ما نَغَّصَ الحاسي كَعَقلِ الحاسي
وَاِهجُر أَحاديثَ السِياسَةِ وَالأُلى
يَتَعَلَّقونَ بِحَبلِ كُلِّ سِياسي
إِنّي نَبَذتُ ثِمارَها مُذ ذُقتُها
وَوَجَدتُ طَعمَ الغَدرِ في أَضراسِ
وَغَسَلتُ مِنها راحَتي فَغَسَلتُها
مِن سائِرِ الأَوضارِ وَالأَدناسِ
وَتَرَكتُها لِاِثنَينِ غُرٍّ ساذَجٍ
وَمُشَعوِذٍ كَذُبذُبٍ دَسّاسِ
يَرضى لِمَوطِنِهِ يَصيرُ مُواطِناً
وَتَصيرُ أُمَّتُهُ إِلى أَجناسِ
وَيَبيعُها بِدَراهِمَ مَعدودَةٍ
وَلَوَ اِنَّها جاءَت مِنَ الخَنّاسِ
ما لِلمُنافِقِ مِن ضَميرٍ رادِعٍ
أَيُّ الضَميرِ لِحَيَّةِ الأَجراسِ
وَلَرُبَّ قائِلَةٍ تُعاتُبُني عَلى
صَمتي وَبَعضُ القَولِ حَزُّ مَواسي
إِثنانِ ما لاقَيتُ أَقسى مِنهُما
صَمتُ الدُجى وَالشاعِرِ الحَسّاسِ
فَأَجَبتُها أَقسى وَأَهوَلُ مِنهُما
في مَسمَعي هَذا العِتابِ القَاسي
لَم تَعلَمي وَالخَيرُ أَن لا تَعلَمي
كَم في السُكوتِ فَواجِعاً وَمَآسي
قالَت أَظُنُّكَ قَد نَسيتَ فَقُلتُ لا
ما كُنتُ بِالناسي وَلا المُتَناسي
لَكِنَّ جُرحاً كُلَّما عالَجتَهُ
غَمَرَ القُنوطَ جَوارِحي وَحَواسي
وَلَوَ اِنَّهُ في الرَأسِ كُنتُ ضَمَدتُهُ
لَكِنَّهُ في القَلبِ لا في الراسِ
إِنَّ الأُلى قَد كُنتُ أَرمي دونَهُم
غَلّوا يَدَيَّ وَحَطَّموا أَقواسي
وَاِستَبدَلوا سَيفي الجِرازَ بِأَسيُفٍ
خُشبٍ وَباعوا عَسجَدي بِنُحاسِ
وَالطَلُّ غَيرِ الماسِ إِلّا أَنَّهُم
خُدِعوا بِرَقرَقَةَ النَدى عَن ماسي
وَإِذا حَسِبتَ الرَوضَ تُغَنّي صورَةٌ
عَنهُ فَذَلِكَ مُنتَهى الإِفلاسِ
أَسَدُ الرُخامِ وَإِن حَكى في شَكلِهِ
شَكلَ الغَضَنفَرِ لَيسَ بِالفَرّاسِ
قَد كانَ لي حُلُمٌ جَميلٌ مونِقٌ
فَأَضَعتُهُ لَمّا أَضَعتُ نُعاسي
فَكَّرتُ في ما نَحنُ فيهِ كَأُمَّةٍ
وَضَرَبتُ أَخماسي إِلى أَسداسي
فَرَجَعتُ أَخيَبَ ما يَكونُ مُؤَمِّلٌ
راجٍ وَأَخسَرَ ما يَكونُ الخاسي
نَرجو الخَلاصَ بِغاشِمٍ مِن غاشِمٍ
لا يُنقَذُ النَخّاسَ مِن نَخّاسِ
وَنَقيسُ ما بَينَ الثُرَيّا وَالثَرى
وَأُمورُنا تَجري بِغَيرِ قِياسِ
نَغشى بِلادَ الناسِ في طَلَبِ العُلى
وَبِلادَنا مَتروكَةٌ لِلناسِ
نَكادُ نَفتَرِشُ الثَرى وَبِأَرضِنا
لِلأَجنَبِيِّ مَوائِدٌ وَكَراسي
وَنَلومُ هاجِرَها عَلى نِسيانِهِ
وَاللائِمِ الناسينَ أَوَّلُ ناسي
وَنَبيتُ نَفخَر بِالصَوارِمِ وَالقَنا
وَرِقابُنا مَمدودَةٌ لِلفاسِ
كَم صَيحَةٍ لِلدَهرِ في آذانِنا
مَرَّت كَما مَرَّت عَلى أَرماسِ
تُفنيكَ أَوجُهُهُم وَحُسنُ خَلاقِهِم
عَن كُلِّ وَردٍ في الرِياضِ وَآسِ
أَنا بَينَهُم أَسَدٌ وَجَدتُ عَرينَتي
أَنا بَينَهُم ظَبيٌ وَجَدتُ كِناسي
وَطَني أَحَبُّ إِلَيَّ مِن كُلِّ الدُنى
وَأَعَزُّ ناسٍ في البَرِيَّةِ ناسي