يوسف محمد الحسن يكتب: كرار التهامي.. ألقُ الأماني وبشارةُ المرحلة

تحت السيطرة

يوسف محمد الحسن

كرار التهامي.. ألقُ الأماني وبشارةُ المرحلة

في أزمنةِ التعب الوطني، تصبح عودة بعض الرجال حدثًا أكبر من مجرد قرارٍ إداري، لأن الأوطان المرهقة بالحروب والانكسارات لا تبحث فقط عن المسؤولين، بل عن أصحاب الحكمة والخبرة والقدرة على بثِّ الطمأنينة في النفوس.
وعندما يرد اسم الدكتور كرار التهامي ضمن العائدين إلى واجهة العمل العام، فإن الأمر يتجاوز حدود الوظيفة إلى مساحةٍ أوسع من الأمل، باعتبار أن الرجل ظلّ واحدًا من الأسماء التي إرتبطت بالحضور الهادئ، والعقل الراجح، والقدرة على صناعة الفارق بعيدًا عن الضجيج.
حملت الأنباء عودة الدكتور كرار التهامي إلى ساحة وزارة الخارجية مجددًا، وهو خبرٌ لا يمكن المرور عليه مرورًا عابرًا؛ ليس لأنه يمثل عودة مسؤولٍ إلى موقعه فحسب، بل لأنه يعيد إلى الواجهة رجلًا ظلّ حاضرًا في الذاكرة العامة بما يملكه من ثقلٍ سياسي، وحضورٍ اجتماعي، وحكمةٍ راسخة، وهيبةٍ تفرض احترامها أينما حلّ.
فالدكتور كرار من تلك الشخصيات التي لا تُشبه أصحاب الأداء الروتيني، بل تنتمي إلى مدرسة الرجال الذين تصنعهم التجارب، وتمنحهم الأيام وقارها وهيبتها، يجمع بين كاريزما الناظر المهاب، وعقلية الدبلوماسي الذي يعرف كيف يدير الملفات بعينٍ ترى أبعد من اللحظة، وما أحوج السودان اليوم، في هذا المنعطف الدقيق إلى رجالٍ يملكون القدرة على ترميم ما تهدّم، وإحياء ما أرهقته الخيبات.
ولعل مصدر احتفائنا بالرجل لا يأتي من فراغ، فقد تابعناه عن قرب خلال تجربته في جهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج، حيث بدا مختلفًا في أفكاره، متقدًا في حركته، مشغولًا بالفعل أكثر من انشغاله بالأضواء، كان يحمل عقلًا مزدحمًا بالمبادرات، ورؤيةً تسعى لربط المغترب بوطنه بروابط تتجاوز الحنين العاطفي إلى شراكةٍ حقيقية في البناء والانتماء.
ويُحسب له أنه اجتهد في طرح مشروع حوافز المغتربين، إلى جانب عددٍ من المبادرات الكبيرة التي لو كُتب لها أن تمضي في طريقها الطبيعي، لأحدثت أثرًا واسعًا في واقع السودانيين بالخارج، لكن الطريق، كالعادة، لم يكن مفروشًا بالنوايا الطيبة؛ إذ تكاثرت حول الرجل المتاريس، لا لشيء سوى لأن نجاحه كان يتمدد بسرعةٍ أقلقت أصحاب المصالح الضيقة، ممن تضيق صدورهم كلما لمع اسمٌ أو ارتفعت أسهمُ رجلٍ يملك مشروعًا ورؤية.
ولم يكن حضور الدكتور كرار مقصورًا على الشأن السياسي وحده، بل عرفناه أيضًا داخل أروقة نادي الهلال كنائبٍ للرئيس، هلاليًا صادق الانتماء، ومنحازًا للكيان الأزرق بقلبه وماله، ولم يكن الهلال عنده مجرد ساحةٍ للتنافس الرياضي، بل مساحةً أخرى للتعبير عن قدرة الإداري الشامل على العطاء في كل الجبهات، فكان حاضرًا في أصعب اللحظات، وداعمًا لمسيرة النادي حين كان كثيرون يكتفون بالمشاهدة من بعيد، ليثبت أن القيادة روحٌ تسري في كل مجالٍ يطأه.
إن عودة الدكتور كرار التهامي في هذا التوقيت تعتبر (ضربة معلم)؛ فهو دبلوماسي أنيق يعرف متى يتحدث، وكيف يتحرك، ويمتلك من الخبرة والعلاقات ما يجعله إضافةً حقيقية لأي موقعٍ يتولاه، لا مجرد اسمٍ يُضاف إلى كشوفات الخدمة العامة.
فيا بخت وزارة الخارجية وهي تستعيد أحد أبنائها الأبرار الذين يعرفون قيمة الوطن، ويا بخت البلاد التي سيعود للعمل فيها، لأن امثاله حين يعودون إلى مواقعهم، لا يعودون بوصفهم موظفين يؤدون واجبًا عاديا، بل يعودون كأملٍ يتسلل إلى القلوب، وكضوءٍ يفتح في آخر الطريق نافذةً للأماني.