حديث الأربعاء

ولألوان كلمة

 

حسين خوجلي

حديث الأربعاء

1
من خيال أدب السياسية في موسوعات الشعوب ،ما قيل أن أربعة من الملوك الكبار قد اجتمعوا في مؤتمر ما ،وبعد أن أنهوا قضيا الحرب والسلام تآنسوا حول الحديث والصمت، وكل كلمة قيلت من كل ملك فيهم تصلح موضوعاً للنقاش فعلى أي ملك عزيزي القارئ تقف وتساند مع التعليل والترافع يحكى أن:
أربعة ملوك اجتمعوا فتكلموا، فقال ملك الفرس: ما ندمت على ما لم أقل مرة، وندمت على ما قلت مرارا، وقال قيصر: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت، وقال ملك الصين: ما لم أتكلم بكلمة ملكتها، فإذا تكلمت بها ملكتني، وقال ملك الهند:
العجيب ممن يتكلم بكلمة إن رفعت ضرت وإن لم ترفع لم تنفع.

2
كان لبيد رحمه الله تعالى آلى على نفسه كلما هبت الصبا أن ينحر ويطعم، وربما ذبح العتاق إذا ضاق الخناق، فخطب الوليد بن عتبة يوما فقال: قد علمت ما جعل أبو عقيل على نفسه فأعينوه على مروءته، ثم بعث إليه بخمس من الإبل وبهذه الأبيات:
أرى الجزار يشحذ مديتيه
إذا هبّت رياح بني عقيل
طويل الباع أبلج جعبريّ
كريم الجدّ كالسّيف الصقيل
وفى ابن الجعبري بما نواه
على العلات بالمال القليل

حاشية: من أفضل أخلاق العرب أن أكابرهم وثقاتهم كانوا ينفقون على الأثراء الذين جار عليهم الزمن وأقعدتهم الحاجة، وفوق ذلك كانوا ينفقون على الكريم الجواد ويخشون عليه الفاقة التي تمسكه عن الإنفاق،ولا أعلم أن شعوباً غير العرب تملك ناصية هذه المفاخر.

3
إن أجمل مافي ملبس نساء السودان السواد عند الخروج ، والمزهر المعصفر عند الدخول، وأبهى الملبس عند الرجال الأبيض إلا أن الشيعة بعد حزن كربلاء كسروا القاعدة فصارت الجلاليب سوداً والرايات. ومن أبلغ الأبيات والضد يظهر حسنه الضد ما قاله الشاعر أبي قيس في لبس السواد:

رأيتك في السواد فقلت بدرا
بدا في ظلمة الليل البهيم
وألقيت السواد فقلت شمس
محت بشعاعها ضوء النجوم

4
وقف عبد الله بن العباس العلوي على باب المأمون يوما، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق، فقال عبد الله لقوم معه: إنه لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، وأما النظرة بعد النظرة والتوقف بعد التعرف فلا أفهم معناه، ثم تمثل بهذا البيت:
وَلا عَن رِضاً كانَ الحِمارُ مطيَّتي
وَلكِنَّ مَن يَمشي سَيَرضى بِما رَكِب
ثم انصرف، فبلغ ذلك المأمون، فضرب الحاجب ضربا شديدا، وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دواب.

حاشية: كان أبناء وأحفاد علي بن أبي طالب وأبناء وأحفاد العباس بن عبدالمطلب من أشراف الناس، وكانوا أبداً في الصدارة إذا تحدثوا وإذا قضوا بين الناس وإذا ملكوا العباد بالعدل والحق والتواضع، وفوق ذلك كانوا أصحاب ذوق وأدب أو ما يتعارف حديثاً أنهم كانوا يجيدون (فن الاتكيت).

5
مساكين أهل السودان لم تترك لهم الملاريا المُضنية ولا لسعات أنثي الأنوفليس المؤذية وقتاً للتدبر في معجزة البعوضة ،كما الزمخشري وقيل في هذا الباب:
أن من الحكم التي أودعها الله تعالى في البعوضة أن جعل الله فيها قوة الحافظة والفكر وحاسة اللمس والبصر والشم ومنفذ الغذاء وجوفا وعروقا ومخا وعظاما فسبحان من قدر فهدى ولم يترك شيئا سدى.

وقال الزمخشري في تفسير سورة البقرة في ذلك:
يا من يرى مد البعوض جناحها
في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرها
والمخ من تلك العظام النّحّل
ويرى خرير الدم في أوداجها
متنقلا من مفصل في مفصل
امنن عليّ بتوبة تمحو بها
ما كان منّي في الزمان الأول

6
كان سيدنا معاوية من غير حلمه وسياسته كان فصيحاً، وإذا تجرد أحد الناشرين الأذكياء لمهمة جمع أقوال معاوية بن أبي سفيان فإننا قطعاً سنحظى بنهج للبلاغة جديد. صحيح أنه لا يطال مقولات نهج البلاغة للإمام علي ولكن لا ضير إن أصبح بعده ففي الرتبة والترتيب. قال الخليفة معاوية وهي واحدة من مقولاته المزهرة:
(إني لأستحي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصرا إلا الله).

7
ومن الغفلة الذي يحاصر الناس والطيور ما حُكى في أيام العرب أن بهرام جالسا ذات ليلة تحت شجرة، فسمع منها صوت طائر، فرماه، فأصابه، فقال: ما أحسن حفظ اللسان بالطائر والإنسان ،لو حفظ هذا لسانه ما هلك.
ويبدو أن شوقي قد أخذ هذا المعنى في أدب الحيوان في قصيدته ( اليمامة والصياد)
يَمامَةٌ كانَت بِأَعلى الشَجَرَه
آمِنَةً في عُشِّها مُستَتِرَه
فَأَقبَلَ الصَيّادُ ذاتَ يَومِ
وَحامَ حَولَ الرَوضِ أَيَّ حَومِ
فَلَم يَجِد لِلطَيرِ فيهِ ظِلّاً
وَهَمَّ بِالرَحيلِ حينَ مَلّا
فَبَرَزَت مِن عُشِّها الحَمقاءُ
وَالحُمقُ داءٌ ما لَهُ دَواءُ
تَقولُ جَهلاً بِالَّذي سَيَحدُثُ
يا أَيُّها الإِنسانُ عَمَّ تَبحَثُ
فَاِلتَفَتَ الصَيادُ صَوبَ الصَوتِ
وَنَحوَهُ سَدَّدَ سَهمَ المَوتِ
فَسَقَطَت مِن عَرشِها المَكينِ
وَوَقَعَت في قَبضَةِ السِكّينِ
تَقولُ قَولَ عارِفٍ مُحَقِّق
مَلَكتُ نَفسي لَو مَلَكتُ مَنطِقي

وللشعراء وأصحاب الأحاديث حكايات مع الطيور تستنطقهم ويستنطقونها وتواسيهم ويواسونها ومنها أبيات الورقاء التي رتبت على كتف عباس بن الأحنف مواسيه:
غَضِبَ الحَبيبُ فَهاجَ لي اِستِعبارُ
وَاللَهُ لي مِمّا أُحاذِرُ جارُ
كُنّا نُغايِظُ بِالوِصالِ مَعاشِراً
لَهُمُ الغَداةَ بِصَرمِنا اِستِبشارُ
إِذ لا أَرى شِكلاً يَكونُ كَشِكلِنا
حُسناً ويَجمَعُنا هُناكَ جِوارُ
وَكَأَنَّنا لَم نَجتَمِع في مَجلِسٍ
فيهِ الغِناءُ وَنَرجِسٌ وَبَهارُ
مَا كانَ أَشأَمَ مَجلِساً كُنّا بِهِ
تِلكَ العَشِيَّةَ وَالعِدا حُضّارُ
مَدَنِيَّةٌ أَمسى العِراقُ مَحَلَّها
وَلَها بِزَوراءِ المَدينَةِ دارُ
أَدنى قَرابَتِنا إِليها أَنَّنا
شَخصانِ يَجمَعُنا إِلَيهِ نِزارُ
يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَذِّبُ قَلبَهُ
أَقصِر فَإِنَّ شِفاءَكَ الإِقصارُ
نَزَفَ البُكاءُ دُموعَ عَينِكَ فَاِستَعِر
عَيناً لِغَيرِكَ دَمعُها مِدرارُ
مَن ذا يُعيرُكَ عَينَهُ تَبكي بِها
أَرَأَيتَ عَيناً لِلبُكاءِ تُعارُ
الحُبُّ أَوَّلُ ما يَكونُ لِجاجَةً
تَأتي بِهِ وَتَسوقُهُ الأَقدارُ
حَتّى إِذا اِقتَحَمَ الفَتى لُجَجَ الهَوى
جاءَت أُمورٌ لا تُطاقُ كِبارُ
وَإِذا نَظَرتَ إِلى المُحِبِّ عَرَفتَهُ
وَبَدَت عَلَيهِ مِنَ الهَوى آثارُ
قُل ما بَدا لَكَ أَن تَقولَ فَرُبَّما
ساقَ البلاءَ إِلى الفَتى المِقدارُ
فَلَقَد خَصَصتُكِ بِالهَوى وَصَرَفتُهُ
عَمَّن يُحَدَّثُ عَنكُمُ فَيَغارُ
فَودِدتُ أَنَّ اللَيلَ دامَ وَأَنَّهُ
ذَهَبَ النَهارُ فَلا يَكونُ نَهارُ