أين تسهر هذا الخميس

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

أين تسهر هذا الخميس

(1)
المفكر مالك بن نبي في بلاد الفرنجة

إذا أضطرك الزمان إلى الرحيل وباعد بينك وبين وطنك وأهلك فاحمل معك ذكرى الوطن والعقيدة ، وجمال الحكايات والفنون ، فإن حصاد كل هذا يحميك من آفة الاستلاب في بلاد الفِرنجة الذين يحصدون عرقك وفوق ذلك يمتصون من عُرُوقِك كل أمجاد الانتماء والعراقة، وما ذكرناه آنفاً يصلح روشتة ضد التشويه والتغريب.
ومن صادق المرويات في هذا الباب أن المفكر الإسلامي المهندس الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي الذي تغرب في الخمسينات طالباً للدراسات العليا بباريس. دلف يوماً لتناول وجبة الغداء في مطعم فاخر في ضاحية الشانزيليزيه ،كانت باحة المطعم تعجُ بعدد مقدر من عِلية القوم الفرنسيين والمتفرنسين، وعندما وضع النادل الوجبة أمامه كفكف أكمام قميصه وافتتح قبل اللُقمة الأولى بالدعاء النبوي والبسملة بعربية مُبينة، ونحى الشوكة والسكين والمِلعقة جانباً واستعمل يديه المسلمين كعادة المسلمين والشرقيين ، تأففت سيدة فرنسية مُتعجرفة كانت في المنضدة المجاورة ،وقد استفزها سلوك هذا الشرقي غير المتحضر في نظرها. نهضت في غضب واقتحمت عليه منضدته وأمسكت بالشوكة والسكين والمِلعقة وخبطتها على المائدة وقالت له بصوت زاجر: لماذا لا تستعمل الشوكة والسكين والملعقة عوضاً من يدك ؟
فقال لها ببرود المطمئن وبلغة فرنسية باذخة وأنيقة اختار مفرداتها بعناية حتى انتبه كل الذين كانوا في المطعم ورد قائلاً: إن الشوكة والسكين والمِلعقة صُنعت يا عزيزتي لأصحاب الأيدي القذرة ، أما أنا فمن أصحاب الأيدي النظيفة من الذين يغسلونها خمس مرات في اليوم للوضوء ويغسلونها قبل الأكل وبعد الأكل ويستاكون قبل كل صلاة.
كان درساً بليغاً انتبه له كل الحضور وبعدها غادرت السيدة الفرنسية غاضبة وتركت وجبتها وبدأ هو في تناول وجبته في طمأنينة وسكينة وهدوء.
(حاشية: وبالمناسبة ذكرى الراحل المفكر مالك بن نبي فهذه دعوة لكل الجادين في معرفة حضارتهم أن يبدؤوا من اليوم في اقتناء كتب الرجل التي لا غنى لمثقف مسلم ملتزم عنها وهذه بعض العناوين التي بقيت في الذاكرة قبل أن يحرق الأوغاد مكتبتي الخاصة:
1/ شروط النهضة.
2/ الظاهرة القرآنية.
3/ مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي
4/ مشكلة الثقافة.
5/ فكرة الإفريقية الآسيوية في مؤتمر باندونغ.)

2
شخصيات ضد النسيان
(أغلب الكتاب الكبار من غير المؤلفات ذات الوزن فإن لهم تأليف في المنوعات والشخصيات يشكل معاجم وعصير ورقي لنجوم لا تحيط بهم الكتب والأسرار. وفي صفحات قلائل استطاع عميد الأدب العربي طه حسين أن يكتب عن الكثير من الشخصيات التي قربها إلى قلوب الناس بعيدا عن وعثاء الاكاديميات)
جاء في كتاب المجمل في تاريخ الأدب العربي الذي هو من تأليف الدكتور طه حسين مع نخبة من الأدباء منهم:
أحمد الإسكندري
أحمد أمين
عبد العزيز البشري
علي الجارم
وأحمد ضيف
(لا نكاد نسمع في الأندلس بفقيه أو نحوي أو طبيب أو رياضي أو مؤرخ، إلا وجدناه شاعرًا بليغا صاحب مطولات ومقطعات في أغراض شتى)

3
الاعتزال الحميد
الدكتور علي بن محمد العمران العالم والمحقق السعودي ذو الأصول أصل اليمنية، اشتهر بإنتاجه الغزير في أدب طلب العلم، والتراث، و ارتبط اسمه بالمشاريع العلمية الكبرى لتحقيق كتب ابن تيمية وابن القيم. قال : (من لوازم الإبداع طول الانقطاع).
وذكر أن ابن الجوزي رحمه الله تعالى قال : (والذي يُعين على اغتنام الزمان؛ الانفرادُ والعزلةُ مهما أمكن، والاختصارُ على السلام، أو حاجة مهمة لمن يلقى، وقلة الأكل، فإن كثرته سبب النوم الطويل، وضياع الليل).
وما ألَّفَ الإمام البيهقي كتبه العظيمة إلا حين انقطع عن الناس في بساتين قرية في بيهق.
وما ألَّفَ الذهبي كتبه الكبار كتاريخ الإسلام والسير إلا حين انقطع في إحدى البساتين في ضواحي دمشق.
وما ألَّفَ ابن خلدون مقدمته العظيمة إلا لما اعتزل عدة أشهر في قلعة بني حسان في الجزائر.
وما ألَّفَ الإمام ابن الوزير كتابه النادر “العواصم والقواصم في الذَّبِّ عن سنة أبي القاسم” إلا في انقطاع مِن الناس.
وما كان للإمام السيوطي أن ينتج هذا الإنتاج الغزير إلا حين اعتكف وانقطع عن الناس فلا يفتح لطارق إلا إذا كان من آل البيت.
وما كان لمحمود شاكر أن يستوعب المكتبة العربية قراءةً وفحصًا واطلاعًا إلا حين اعتزل الناس عشر سنوات كاملات كما أخبر عن نفسه!
وفي ترجمة الإمام ابن حزم لما ضايقه بعضهم فقال له: “هذا العلم ليس مِن مُنْتَحَلاتِك”! فقام ابن حزم وقَعد، ودخل منزله (فعَكَف)، ووَكَفَ منه وابلٌ فما كَفَّ.
(حاشية: من الناس من ينقطع عن الناس غرورا وهو جاهل، ومن الناس من ينقطع عن الناس تواضعا وهو عالم فعلى المجتمعات ان تهيء لأصحاب العقول والتآليف والمصنفات زمانا للاعتزال دون لوم او مضايقة فإن زمن هؤلاء العارفين اغلى من الذهب وأثمن من البلاتين)

4
احذروا هذه الملة
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين
كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَسْمَعُ مِنْكَ وَيَرَى مِنَ الْمَحَاسِنِ أَضْعَافَ أَضْعَافِ الْمَسَاوِئِ فَلَا يَحْفَظُهَا وَلَا يَنْقُلُهَا وَلَا تُنَاسِبُهُ ، فَإِذَا رَأَى سَقْطَةً أَوْ كَلِمَةً عَوْرَاءَ وَجَدَ بُغْيَتَهُ وَمَا يُنَاسِبُهَا فَجَعَلَهَا فَاكِهَتَهُ وَنُقْلَهُ.
(حاشية: إذا أبتليتم بمثل هؤلاء المقتنصين للسقطات فأحذروهم واحتموا بالتستر وأشيعوا كريم الأفعال والأقوال فإن الخرق يكون أكثر بينا في الثوب الفاخر الجديد)

5
روشتة لاستدعاء بركة الأيام
هذه روشتة للذين يزيدون ويفيضون من عدد السعات بالبركة فيصبح يومهم أكثر من 48 ساعة بجانب الفيوضات والطمأنينة والرزق والعلم اللدني، ولإبراهيم عبد الواحد وصفة في هذا الباب تصلح للذين يشكون من قلة البركة في الوقت وهروب الشهور والأيام والساعات، فقد ورد في كتاب (ذيل طبقات الحنابلة) لابن رجب
أن أحد السلف ‏قال : كلما زاد حِزبي من القرآن؛ زادت البركة في وقتي، ولا زلت أزيد حتى بلغ حِزبي عشرة أجزاء.
وقال إبراهيم بن عبدالواحد المقدسي موصيًا الضياء المقدسي لما أراد الرحلة للعلم:
(أكثِر من قراءة القرآن ولا تتركه؛ فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ)
قال الضياء:
فرأيت ذلك وجربته كثيرًا، فكنت إذا قرأت كثيرًا؛ تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ؛ لم يتيسر لي.

6
دعاء واجب
(حاشية: مقولة الفضل بن عياض هذه تصلح لأن تخط بالرقعة وتبروز في إطار ذهبي وتوضع في مسجد أمدرمان العتيق وبحري العتيق والخرطوم العتيق وتنسخ منها لبقية المساجد فما أحوجنا لإمام عادل وليس له من سبيل إلا بالدعاء أولا ثم المناصحة ولا تنسوا أن تجعلوا منها نسخة للفريق البرهان ودكتور كامل الطيب إدريس وآخرين. يقول الفضل قدس الله سره بالمختصر المفيد:
عن الفضيل بن عياض أنه قال:
لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها الا في إمام ، فصلاح الإمام صلاح البلاد والعباد.

7
نقابة اللصوص الزعماء
ويظل أحمد مطر صاحب القصيدة الوخزة الذي لا يعلى عليه، فالرجل أكثر الأصوات الشعرية الناقدة للزمان العربي الرديء المنكسر وقد صارت لسعاته هذه دخلا للخطباء والمقالات والأقوال، تجلد يوميا الواقع العربي بسياط من نار . ويمضي الرجل مسيرته الشعرية الباهرة ضاربا في تيه الزمان غير مبال. وما زال شعر الرجل الى الآن يملأ قيعان السكون والتردي مطر الألوان وأشعار الأحزان. ومن قصائده القصيرة المثيرة(بالتمادي)
بالتمادي . . . يصبح اللص بأوربا مديراً للنوادي،
وبأمريكا، زعيماً للعصابات وأوكار الفساد،
وبأوطاني اللتي من شرعها قطع الأيادي،
.يصبح اللص . . . زعيماً.. للبلاد!