
يوسف عبد المنان يكتب: مع الشيخ موسى هلال
حديث السبت
يوسف عبد المنان
مع الشيخ موسى هلال
(1)
الزمان الأربعاء والشمس الحارقة في أم درمان هذه الأيام تشوي الأجساد والسيارة تئن من وطأة حرارة الشمس وحفر شوارع أم درمان التي تغشاها الكهرباء لأربعة ساعات وتغيب “٦” ساعات والناس بالحر قانعون وبالفقر قانعون والعطش قانعون ،ولكن أخبار انسلاخ السافنا عن الدعم السريع تغطي على زيارة البرهان شبه السرية لمملكة البحرين ،ولا حاجة للبرهان تقديم تفسير عن أسباب الزيارة ولاما قبلها ومابعدها ،و شباب أغلبهم دون الخمسين من العمر يستقبلونك بابتسامات ودودة ولكن تتأمل في وجوههم حزناً عميقاً لما جرى وجروح لما تشفى بعد جراء ماحدث في مستريحة دامرة عرب المحاميد بشمال دارفور دخلنا بيت فخيم جداً مقاعد وثيرة وحديقة بدأت في الجفاف وحينما تذهب الكهرباء تستوي مساكن قبر الكلب في غرب أم درمان ومساكن الرياض وحديقة المدينة انتظرنا لحظات والزميلة داليا تتأمل وتحدق في وجه دكتور في خدمة شيخ قبيلة ومشاعر عثمان تترقب اطلالة رجل تعرفه ويعرفها منذ زمان طويل حتى أطل الشيخ من غير حراس كما كانت عادته في السابق نحل الجسد وضعف ورسمت الكوارث والمحن بصمتها على الوجه الوضئ كنت ظننت وبعض الظن غفلة أن سنوات طويلة منذ آخر لقاء بيننا ستمحو الذكريات ولكن هلال بذات الحضور يرتدي جلباب يميل إلى السواد ربما حزناً على ماحدث وينتعل حذاء جلدي وطاقية صغيرة لايستخدم نظارة شمسية أو طبية تقدم نحوي بخطى ولهفة سنوات مشيناها في دروب دارفور وغمار السياسة و تقاطعات التمرّد والمساندة ورجل تقلّب في مراقد السجون وحياة المترفين في البادية وهو عزيز قوم عاش حياة متقلّبة فقد كان سجيناً بأمر الحكومة وابن مدلل لها ثم معتقلاً ثم مطلوباً لمقصلة الاعدام ثم مطلوباً لدعم الجيش والقتال في صفه وإسناد ظهره.
تحدّث موسى هلال طويلاً عن ماجرى في مستريحة وكيف سقطت في يد مليشيا آل دقلو ولم يبرئ قومه من بعض الخونة والذين باعوا شرف المحاميد من أجل مال آل دقلو في خريف وشتاء الدعم السريع.
منذ عودة موسى هلال مهزوماً بشرف من مستريحة لم يتحدث لصحافي رغم امتداد علاقاته الواسعة في الوسط الصحافي والسياسي ،وربما من يقرّر متى يتحدث ولمن يتحدث قادة الصحوة من الشباب الذين يحيطون بالشيخ عشية وضحى ولكنه استرسل وانسابت الكلمات في عزوبة مياه أودية جبال كاورا
قلت له لماذا سقطت مستريحة والجميع كان يتوقّع صمودها على الأقل لشهور بالنظر لجسارة أهلها؟
بدا موسى هلال وكأن جرحاً عميقاً قد تجدّد فتقه فقال نحن كنا نملك في يدنا عدد “٤٨” عربة مسلحة بعضها يعاني من أعطاب وسلاحنا الكلاشنكوف وتعرّضنا لحصار امتد ثلاثة أشهر قطعوا عنا الدواء والغذاء ولم تعد القوات المسلحة قادرة على إسقاط الذخائر لنا وفجأة كان الهجوم بعدد ٦٠٠ عربة بها أكثر من ٥٩ مدفع ثنائي رباعي وكثافة النيران لم توهن عزم رجالنا في خوض معركة شخصيا كنت رافض مغادرة مستريحة ومستعد للموت شهيدا وفي اليوم الثالث للقتال احدثنا فيهم خسائر تجاوزت ال”٦٠” هالك واحتسبنا “١٣” شهيداً بينهم ابني مثل غيره من الشباب وقرّرت القوة التي تدافع عن مستريحة إخلاء المنطقة من النساء والأطفال وتمّت تغطية نيران كثيفة حتى خرجت الأسر من مرمي النيران اتجهت نحو جبل مرة ثم اتخذت مسار آخر وفي اليوم الرابع أرغموني على الانتقال من مستريحة لمنطقة أخرى الي الشمال الغربي استخدمنا الخديعة للخروج من مستريحة وتحت حماية الصديق الوفي مني أركو مناوي والقوات المشتركة وغطاء جوي من القوات المسلحة خرجنا من مستريحة وفي النفس عزم للعودة إذا خرجنا اليوم مرغمين سنعود غدا بسواعد الرجال
(1)
قلت له كيف أصبح حميدتي الذي كان واحداً من رجالك خصما لك ماهي ملابسات هذا الانتقال؟ من قال لك حميدتي واحداً من رجالنا، في بداية تكوين قوات حرس الحدود استخبارات الحدود انضم حميدتي كجندي عادي منحته الاستخبارات العسكرية رتبة أظن عريف بينما كان شقيقه عبدالرحيم يعمل( قلاجي) ثم أصبح تاجر شنطة وبائع هواتف يملك طبلية في نيالا ثم السوق العربي وال دقلو اشتهروا بالنهب والسلب أربعة من أعمامه أشقاء والده قُتلوا في حوادث النهب المسلح وهي مهنة احترفها عمه جمعة دقلو ووالده حمدان دقلو ارتكبوا جرائم عديدة وهم تصلاً دخلو السودان في سبعينات القرن الماضي وموطنهم الأصلي محافظة البطحا في دولة تشاد ،طبعاً لا يعاب الرجل في أصله ولا من أين جاء ولكن سلوكهم كنهابين جعلهم منبوذين من قبل المجتمعات المحلية هناك أسرة فقدت أربعة أشقاء في حوادث نهب.
أنا تحدثت إلى الاستخبارات العسكرية في ذلك عن نظافة قوات حرس الحدود وتجنّب تجنيد النهابة واللصوص ولكن القيادة في ذلك الوقت لها تقديراتها ،وأنا خلال أقل من سته أشهر استطعت تجنيد ١٣ الف مقاتل وخضنا معارك في بئر مزه ومجور وشمال الجنينة وحققنا انتصارات كبيرة ونحن نتبع للفرقة السادسة الفاشر وفي هذه الفترة جاء وفد من نيالا وتحدث إلينا عن ضرورة تكوين قوة تتبع للفرقة “١٦” نيالا وافقنا من حيث المبدأ وكانت الاستخبارات وخاصة الأخ عوض ابنعوف يميل إلى حميدتي وتم أخذه للخرطوم ولتقديرات خاصة بالاستخبارات ربما لتوازن القوى أو لسبب آخر تم فصل قيادة حرس الحدود عنا في شمال دارفور وللأمانة كان العقيد عبدالفتاح البرهان غير متوافق مع عوض ابنعوف في مسألة تقسيم قوات حرس الحدود ولكننا نحترم رؤية القيادة ،نحن اتجهنا للميدان وفي معارك وعمليات شمال الجنينة أصيب الأخ العقيد البرهان في قدمه وتم اخلائه إلى الخرطوم لتلقي العلاج وكانت القوات المسلحة هي من تقود مقاتلي حرس الحدود ولكن وجدت قيادة الاستخبارات في حميدتي مالم تجده في غيره من القادة وتم تقريبه وفصل قواته ولكن فجأة تمرّد على الجيش وكون قوة باسم الجندي المظلوم واتجه الي بحر العرب وكانت القوات المسلحة قد قرّرت ضرب التمرد الذي يقوده حميدتي بعد أن عقد اجتماعات مع عبدالواحد محمد نور الذي اشترط على حميدتي أن يضع كل قواته تحت قيادة قوات حركة تحرير السودان وأن يقود السيارات المقاتلة سائقين من الفور ،وهنا توجس حميدتي واتصل بجون قرنق ولكن تدخلت واسطات أهلية من عبدالله مسار وعبدالله صافي النور والفريق حسين عبدالله جبريل وحسبو محمد عبدالرحمن وتم اقناع حميدتي بالعدول عن التمرّد وعاد ليقاتل مع القوات المسلحة وفي معركة قوز دنقو تم تضخيم دور حميدتي أكبر من حجمه لأغراض سياسية وبدأ الاستثمار السياسي وفي حميدتي وبدأ حميدتي يستثمر في هؤلاء وهم قادة كبار في الجيش وخريجي جامعات ولكنهم يخضعون ويستثمرون في رجل لم يدخل فصلاً دراسياً في حياته.
(3)
ماهي أسرار العلاقة الوثيقة بين حميدتي وحسبو محمد عبدالرحمن؟ طبعا حميدتي كان يتزلّف وينافق الرئيس البشير لذلك حينما بدأ البشير يشعر بوجود معارضة لاستمراره في السلطة من قبل قيادات حزب المؤتمر الوطني ومن بعض قادة القوات المسلحة الذين كانوا يقدّمون له النصح لجأ البشير لتقريب حميدتي وبدأ يفكر في قواته لذلك أجاز المجلس الوطني قانون قوات الدعم السريع وأصبحت قوة بنص القانون تتبع الي الجيش ولكنها في الواقع تتبع للبشير شخصياً قبل أن تغدر به وتخونه وقد أملى حميدتي على البشير تعيين حسبو محمد عبدالرحمن من موظف في مفوضية العون الإنساني لنائب رئيس الجمهورية وكان حسبو ينفّذ توجيهات حميدتي ويمثل مصالحه وقد استهدف حميدتي من خلال حسبو محمد عبدالرحمن القبائل وجرّدها من السلاح من خلال حملة ظاهرها فرض هيبة الدولة وباطنها تمكين قوات الدعم السريع وتم الغدر بنا واعتقالي ومع آخرين من بينهم السافنا ومات بعض المعتقلين بالتعذيب في سجون حسبو وحميدتي الذي يمثل كتاب أسود في تاريخ دارفور.
يقول موسى هلال وهو يعتدل في جلسته ويوجّه حديثه إلى المستقبل إن الدعم السريع إذا وقع هدنة لوقف إطلاق النار فإن ذلك بداية الهزيمة لأن الرجل يفكر في حكم السودان وابتلاعه بالقوة ورغم أنف أغلبية أهله وإذا فشل في تحقيق ذلك يسعى لفصل دارفور عن السودان وجعل كردفان منطقة نزاع بين الدولتين وهذا الانفصال لن يتحقّق الا بفناء أهل دارفور وقتلهم جميعاً.
هل أصبحت الآن حليفاً للحركات المسلحة التي كانت بالأمس عدوا لك؟ نعم المصيبة وقعت على رؤسنا جميعاً ودارفور لكل مكوناتها عرب وزغاوة وفور وبرتي وتنجر ومساليت ومراريت وأبالة وبقارة ومزاعين وليست دولة للعطاوة، نحن كنا على خلاف الآن على اتفاق القوات المشتركة قواتنا نقاتل مليشيا الدعم السريع حتى القضاء عليها،و مناوي رجل وفي وحريص على وحدة الناس وجبريل كذلك وعبدالله يحي وآخرين ونمد يدنا لكل أهلنا في دارفور وكل من حمل السلاح حتى يتم القضاء على المليشيا.
وقال هلال أنا أعرف البرهان رجل شجاع جداً ،ووطني وغيور لايتقلّب ولايتبدّل نحن عشرة سنين عدنا الآن نقاتل معاً ،وفي الأيام القادمة السودان موعود بنصر يفرح له أهل السودان خرجنا إلى باحة المنزل وتم التقاط صور تذكارية صحافية ولكن المليشيا وغرف صناعة التحريف والقصص من وحي الخيال قامت باستخدام غير أخلاقي للصور وفاضت مواقع التواصل الاجتماعي بصورة وضعت زميلتنا الشاعرة المؤدبة بت القبائل في أحضان موسى هلال في سلوك ينم عن انحطاط أخلاقي وقيّمي وسلوك يجافي منطق الصحافة القويم ،ترك لنا موسى هلال نشر ماينشر ومعالجة بقية حديثه في مساحات أخرى.