د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: ضياع الشباب وانكسار الذات .. الخطر الصامت الذي يهدد المجتمع

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

ضياع الشباب وانكسار الذات .. الخطر الصامت الذي يهدد المجتمع

 

ليست كل الخسارات تُقاس بالأرقام، فهناك خسائر تحدث بصمت، لكنها تترك أثرًا أعمق من الحروب والأزمات الاقتصادية. ومن أخطر هذه الخسائر، ضياع الشباب وانكسار الذات الإنسانية، حين يفقد الإنسان إيمانه بنفسه، وقدرته على الحلم، وإحساسه بقيمته داخل المجتمع.
وفي السنوات الأخيرة، عاش كثير من الشباب في السودان واقعًا قاسيًا بين الحرب، والبطالة، والنزوح، وانعدام الاستقرار، حتى أصبح جزء كبير منهم يشعر بأنه يعيش بلا أفق واضح ولا مشروع حياة حقيقي. ومع تكرار الإحباطات، يتحول التعب المؤقت إلى شعور دائم بالعجز، ويتحول القلق إلى حالة عامة من الانكسار الداخلي.
والخطر الحقيقي لا يكمن في الفقر أو غياب الفرص، لكنه يكمن في اللحظة التي يبدأ فيها الشاب بفقدان ثقته بنفسه وبالمستقبل. حين يشعر أن جهده بلا قيمة، وأن التعليم لم يعد طريقًا للحياة الكريمة، وأن الأحلام أصبحت ترفًا بعيد المنال، يبدأ الانهيار النفسي بصمت.
ولهذا فإن ضياع الشباب لا يحدث فجأة، هو يبدأ تدريجيًا. يبدأ عندما يغيب الاحتواء، وتضعف القدوة، ويتراجع دور الأسرة والمدرسة والمجتمع، ويصبح الشاب محاصرًا بين ضغوط الواقع وخوف المستقبل. بعضهم ينسحب إلى العزلة، وبعضهم يهاجر، وبعضهم يفقد اهتمامه بالحياة نفسها، بينما ينجرف آخرون نحو العنف أو الإدمان أو التطرف أو السلوك المدمر للذات.
أما انكسار الذات، فهو أخطر من الهزيمة الخارجية. لأن الإنسان حين ينكسر من الداخل، يصبح عاجزًا عن المقاومة، حتى لو توفرت له الفرص لاحقًا. فالمجتمعات لا تنهار بسبب الحروب، تنهار عندما تفقد طاقتها البشرية وقدرتها على إنتاج الأمل.
الشباب ليسوا مجرد فئة عمرية، هم القوة التي تُبنى بها الأوطان. وإذا تحولوا إلى جيل مرهق نفسيًا، فاقد للثقة والانتماء، فإن أي مشروع للنهوض سيظل ناقصًا مهما توفرت الموارد والإمكانات.
ولهذا فإن معالجة أزمة الشباب تحتاج إلى أكثر من خطابات عاطفية أو وعود مؤقتة. تحتاج إلى مشروع حقيقي يعيد للشباب الإحساس بالقيمة والدور والانتماء. مشروع يوفر التعليم، ويفتح فرص العمل، ويهتم بالصحة النفسية، ويصنع بيئة تشجع الإبداع والمبادرة بدل الإحباط والتهميش.
كما أن المجتمع نفسه بحاجة إلى مراجعة طريقته في التعامل مع الشباب. فالكثير من الطاقات تُقتل بسبب السخرية، أو التقليل من الأحلام، أو المقارنة القاسية، أو غياب الدعم المعنوي. بينما الكلمة المشجعة، والاحتواء، والثقة، قد تصنع فرقًا كبيرًا في حياة إنسان يقف على حافة الانكسار.
وإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن هو أن يفقد شبابه الرغبة في الحياة، أو الإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل. لأن الأمم لا تبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بالإنسان الواثق من نفسه، المؤمن بقدرته على التغيير.
ولهذا فإن حماية الشباب من الضياع، وحماية ذواتهم من الانكسار، ليست قضية اجتماعية هامشية، هي قضية وطن ومستقبل. فالأوطان التي تنقذ شبابها، تنقذ نفسها… ولو بعد حين.