حسين خوجلي يكتب: حواشي ومتون

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

حواشي ومتون

1
ترى هل يدرك مطربو هذه الأيام أن الغناء ليس مجرد ملهاة وصخب وعبث وملهيات؟ ترى هل يتدبر مثل هذه المعاني حتى يدركوا أن الغناء كان سفرا من تراثنا الثقافي يدعو للتأمل والتدبر والعبرة؟ ترى هل يدركون. يحكى أن الزاهد مالك بن دينار قال: مررت بقصر تضرب فيه الجواري بالدفوف ويقلن:
ألا يا دار لا يدخلك حزن
ولا يغدر بصاحبك الزمان
فنعم الدار تأوي كلّ ضيف
إذا ما ضاق بالضيف المكان
ثم مررت عليه بعد حين وهو خراب وبه عجوز فسألتها عما كنت رأيت وسمعت، فقالت: يا عبد الله إن الله يغيّر ولا يتغيّر والموت غالب كل مخلوق، والله قد دخل بها الحزن وذهب بأهلها الزمان.

2
في كثير من الأحيان تبطل الأحداث حكم وأقوال العظماء وليت الناس في غير كربلاء الحسين ثم الحسن يوثقون لنا أقوالهم وحكمتهم وأحاديثهم المباركة حول مصائر الأيام. فقد روي عن الحسن رضي الله عنه أنه قال: لو كان العقل يشترى لتغالي الناس في ثمنه، فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده، وقال عليه السلام: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنساء حبائل الشيطان، والخمر داعية إلى كل شر.
وقال بعضهم:
بلوت نبيذ الخمر في كل بلدة
فليس لأخوان النبيذ حفاظ
إذا دارت الأرطال أرضوك بالمنى
وإن فقدوها فالوجوه غلاظ

3
ومن قول عبد الملك وحبيب بن أوس حول تغير الأزمنة والعهود ما أخذه الشعب السوداني ما بعد ثورة أكتوبر وهو يرى الجنرال عبود في سوق الخضار يشتري في بساطة (قفة الملاح) فهتفت الجماهير ضد سوق الكلام الحزبي بهتاف شهير (ضيعناك وضعنا وراك)، فقد قيل أنه دخل مسلمة بن زيد بن وهب على عبد الملك بن مروان فقال له: أي الزمان أدركته أفضل، وأي الملوك أكمل؟ فقال: أما الملوك فلم أر إلا حامدا وذاما، وأما الزمان فيرفع أقواما ويضع آخرين، وكلهم يذكر أنه يبلي جديدهم ويفرق عديدهم ويهرم صغيرهم ويهلك كبيرهم.
وقال حبيب بن أوس:
لم أبك من زمن لم أرض خلّته
إلّا بكيت عليه حين ينصرم

4
وهذه من العلامات التي أرجو ألا يعتقد ولا يعتد بها الأزواج فإن للنساء أحوال وإن للأدباء أقوال!. يقال: إن المرأة إذا كانت مبغضة لزوجها فإن علامة ذلك أن تكون عند قربها منه مرتدة الطرف عنه كأنها تنظر إلى إنساان غيره من ورائه، وإن كانت محبة له لا تقلع عن النظر إليه.

5
من مآزق الكرام أنهم إن امتنعوا عن العطاء للشعراء والمادحين فإنهم يدخلونهم في جحر ضب خرب، فهم لا يستطيعون التصريح إذا أمسك الجواد أو امتنع أو جاد بالقليل. ومن أجود ما قرأت في هذا الباب قول الشاعر:
ماذا أقول إذا رجعت وقيل لي
ماذا لقيت من الجواد الأفضل
إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل
بخل الجواد بماله لم يجمل
فاختر لنفسك ما أقول فإنني
لا بدّ أخبرهم وإن لم أسأل

6
قال الأصمعي أتاني رجل من قريش يستشيرني في امرأة يتزوجها، فقلت: يا ابن أخي أقصيرة النسب أم طويلته؟ فلم يفهم عليّ، فقلت: يا ابن أخي: أما القصيرة النسب فالتي إذا ذكرت أباها اكتفت به، والطويلة النسب فهي التي لا تعرف حتى تطيل في نسبها، فإياك أن تقع مع قوم قد أصابوا كثيرا من الدنيا مع دناءة فيهم، فتضيع نسبك فيهم.
وفي غالب الأمر فإني أعتقد بان السائل لم يفهم، فهذا حديث أدخل في الأخلاق والنسب وفن القول والحكمة، وهي أفكار لا يستطيع تحملها (عريس).

7
قال إيليا أبي ماضي:

يَا مَنْ يَحِنُّ إِلَى غَدٍ فِي يَوْمِهِ
قَدْ بِعْتَ مَا تَدْرِي بِمَا لَا تَعْلَمُ
قُمْ بَادِرِ اللَّذَّاتِ قَبْلَ فَوَاتِهَا
مَا كُلُّ يَوْمٍ مِثْلُ هَذَا مَوْسِمُ
وَاشْرَبْ بِسِرٍّ حِصْنَ سِرِّ شَبَابِهِ
وَارْوِ أَحَادِيثَ الْمُرُوءَةِ عَنْهُمُ
الْمُعْرِضِينَ عَنِ الْخَنَا فَإِذَا عَلَا
صَوْتٌ يَقُولُ: «إِلَى الْمَكَارِمِ» أَقْدَمُوا
الْفَاعِلِينَ الْخَيْرَ لَا لِطَمَاعَةٍ
فِي مَغْنَمٍ إِنَّ الْجَمِيلَ الْمَغْنَمُ
أَنْتَ الْغَنِيُّ إِذَا ظَفِرْتَ بِصَاحِبٍ
مِنْهُمْ وَعِنْدَكَ لِلْعَوَاطِفِ مَنْجَمُ
رَفَعُوا لِدِينِهِمُ لِوَاءً عَالِيًا
وَلَهُمْ لِوَاءٌ فِي الْعُرُوبَةِ مَعْلَمُ
إِنْ حَازَ بَعْضُ النَّاسِ سَهْمًا فِي الْعُلَا
فَلَهُمْ ضُرُوبٌ لَا تُعَدُّ وَأَسْهُمُ
لَا فَضْلَ لِي إِنْ رُحْتُ أُعْلِنُ فَضْلَهُمْ
بِقَصَائِدِي إِنَّ الضُّحَى لَا يُكْتَمُ
لَكِنَّنِي أَخْشَى مَقَالَةَ قَائِلٍ
هَذَا الَّذِي يُثْنِي عَلَيْهِمْ مِنْهُمُ
أَحْبَابَنَا مَا أَجْمَلَ الدُّنْيَا بِكُمْ
لَا تَقْبُحُ الدُّنْيَا وَفِيهَا أَنْتُمُ

وكان أستاذنا الراحل الشاعر مهدي محمد سعيد حول هذه القصيدة إن أبوماضي إن لم يذكر فيها إلا بيته (لَا فَضْلَ لِي إِنْ رُحْتُ أُعْلِنُ فَضْلَهُمْ بِقَصَائِدِي إِنَّ الضُّحَى لَا يُكْتَمُ) لكفاه. وأبوماضي من المهجريين الذين رفعوا للفكر وللشعر راية وللقريض قصورا شوامخ، ومنها قصيدته التي طالما أطربت المنابر.