روسيا وأمريكا.. مواجهة مرتقبة بسبب حرب السودان

تقرير: الهضيبي يس

تتجه أنظار الأوساط السياسية والدبلوماسية إلى مجلس الأمن الدولي، مع اقتراب موعد التصويت المرتقب في العاشر من سبتمبر الجاري بشأن مشروع قرار أمريكي جديد حول السودان، في وقت تتصاعد فيه حدة التباين بين موسكو وواشنطن بشأن طريقة التعامل مع الحرب السودانية ومسارات وقفها. وفي مقال نشره السفير الروسي لدى السودان، أندريه تشرانفول، انتقد بشدة التحركات الأمريكية الأخيرة، معتبرًا أن واشنطن تسعى، عبر مبعوثها ومستشار البيت الأبيض مسعد بولس، إلى تحقيق اختراق سريع في الملف السوداني، بما يسمح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعلان وقف الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل. ويرى السفير الروسي أن الدفع باتجاه وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار على طول خطوط التماس الحالية قد يحمل مخاطر تتجاوز مجرد وقف العمليات العسكرية، محذرًا من أن مثل هذه الخطوة، إذا لم تُراعَ طبيعة الصراع وتوازناته، قد تقود إلى تفكك الدولة السودانية. وأشار إلى أن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، بيكا هافيستو، سبق أن أقر علنًا بمخاوف مماثلة.

 

 

الخلاف حول مسار الوساطة

 

ويضع الموقف الروسي التحركات الأمريكية الأخيرة في إطار ما يعتبره تسرعًا وانتهازية سياسية، مشيرًا إلى أن هذا النهج أثار تحفظات لدى قوى إقليمية رئيسية، من بينها المملكة العربية السعودية ومصر، وأدى إلى حالة من الجمود داخل الآلية الرباعية التي تضم السعودية والإمارات ومصر والولايات المتحدة.
وبحسب السفير الروسي، دفعت هذه التطورات واشنطن إلى البحث عن صيغ جديدة للوساطة الدولية، من بينها ما يُعرف بـ«الخماسية»، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي.
وينتقد تشرانفول قدرة هذه المجموعة على العمل بصورة منسقة، معتبرًا أن اختلاف الأجندات والثقل السياسي للدول والمنظمات المكونة لها أفضى إلى غياب رؤية موحدة بشأن الأزمة السودانية. كما أبدى سخرية من الخلافات التي ظهرت بشأن توقيت وجدول أعمال زيارة وفد المجموعة إلى الخرطوم.
ويشير السفير الروسي كذلك إلى استمرار الاتحاد الأوروبي في التمسك بما وصفه بنهج بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة في الانتقال الديمقراطي في السودان «يونيتامس»، واتفاقها الإطاري لعام 2022، رغم التطورات الكبيرة التي شهدها السودان منذ ذلك الوقت.

 

موسكو وموقفها من الجيش السوداني

 

وفي ما يتعلق بالمسألة السياسية الداخلية، يؤكد المقال دعم موسكو لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، في مساعيهما لإطلاق حوار وطني شامل داخل السودان.
ويستند الموقف الروسي، بحسب المقال، إلى قناعة بأن المشهد السياسي السوداني لم يعد يضم مجموعة مدنية متوافقًا عليها وطنيًا يمكن أن تُسلَّم إليها السلطة، في ظل التحولات التي شهدتها القوى السياسية منذ اندلاع الحرب.
وتبرز في هذا السياق إشارة السفير الروسي إلى موقف الصين داخل مجلس الأمن، واعتباره موقفًا مشجعًا لرفض مساواة القوات المسلحة السودانية بالمتمردين. كما يستشهد بخطاب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، أمام مجلس الأمن في الخامس والعشرين من أغسطس، باعتباره معبرًا عن رؤية موسكو تجاه الحرب السودانية.
ويؤكد تشرانفول وجود تطابق، من وجهة نظره، بين الموقف الروسي وتقييمات وزارة الخارجية السودانية بشأن دور القوات المسلحة، التي يعتبرها الضامن الأساسي لحماية المدنيين والدولة.

 

حظر السلاح .. نقطة صدام جديدة

 

ويمثل مشروع القرار المطروح أمام مجلس الأمن إحدى أبرز نقاط الخلاف بين موسكو وواشنطن. وينتقد السفير الروسي الدعوات إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على دارفور بموجب القرار 1591 ليشمل كامل الأراضي السودانية، معتبرًا أن مثل هذا الإجراء قد تكون له تداعيات مباشرة على قدرة القوات المسلحة السودانية على مواجهة الحرب.
ويربط أصحاب هذا الطرح بين توسيع الحظر ومنع تكرار ما حدث في مدينة الفاشر بمدينة الأبيض المحاصرة، غير أن السفير الروسي يشكك في هذا المنطق، مشيرًا إلى أن الاهتمام الأوروبي بالأبيض جاء، بحسب رؤيته، متأخرًا مقارنة بما كانت عليه الأوضاع قبل عامين.
كما يحذر من أن أي حظر جديد يشمل أنظمة الطائرات المسيّرة قد يؤثر بصورة كبيرة في إمدادات القوات المسلحة السودانية، بينما يرى أن أطرافًا أخرى في النزاع تحصل على الأسلحة والمقاتلين بصورة متواصلة.

 

الولايات المتحدة بين وقف الحرب وحسابات الداخل

 

ويكشف المقال الروسي عن جوهر الخلاف بين موسكو وواشنطن: هل ينبغي أن يكون الهدف الأول هو وقف الحرب بأي صيغة ممكنة، أم الوصول إلى تسوية تضمن الحفاظ على مؤسسات الدولة وسيادتها ووحدة أراضيها؟
ويرى السفير الروسي أن رغبة مسعد بولس في التوصل إلى وقف للحرب قبل الانتخابات الأمريكية المقبلة قد تدفع الإدارة الأمريكية إلى تبني حلول سياسية سريعة لا تراعي، من وجهة نظر الخرطوم، مصالح الدولة السودانية الأساسية.
وينتقد كذلك المقترح الأمريكي بإطلاق حوار سياسي سوداني في «محفل محايد» خارج البلاد، مع مشاركة أطراف محددة واستبعاد قوى أخرى تحت تصنيفات سياسية، معتبرًا أن مثل هذا المسار قد يؤدي إلى منح شرعية سياسية لأطراف النزاع بدلًا من معالجة جذور الأزمة.
في المقابل، يشير المقال إلى أن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أعلن مرارًا استعداده لحوار بنّاء مع الولايات المتحدة، شريطة الاعتراف بحق السودان في الدفاع عن مصالحه الوطنية الأساسية، وفي مقدمتها الأمن ووحدة الأراضي والسيادة الوطنية.

 

الحرب السودانية في قلب التنافس الدولي

 

ويضع الكاتب الصحفي والمحلل السياسي أنور إبراهيم الموقف الروسي في سياق أوسع من حدود الأزمة السودانية، معتبرًا أن موقف موسكو من الحرب وقضايا حظر الطيران والأسلحة يرتبط بطبيعة التنافس المتصاعد مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبالصراع على إعادة التموضع الدولي في القارة الأفريقية.
ويقول إبراهيم إن تمسك روسيا برفض تمرير بعض قرارات مجلس الأمن يأتي كذلك من قناعة روسية بأن المؤسسة الدولية تحولت، في بعض الملفات، إلى أداة لفرض العقوبات وممارسة الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية على الدول التي تعاني نزاعات مسلحة، ومن بينها السودان والصومال.
ويضيف أن موسكو ترى أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، رغم استنادها المعلن إلى القوانين والمواثيق الدولية، تتحرك في ملفات الصراعات الدولية وفق مصالح جيوسياسية واقتصادية، الأمر الذي يجعل مواقفها، من وجهة النظر الروسية، غير محايدة بالضرورة تجاه الدول والمجتمعات المتأثرة بالحروب.
مواجهة مرشحة للتصعيد
ويخلص أنور إبراهيم إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد موقفًا روسيًا أكثر قوة تجاه الملف السوداني، في ظل اعتقاد موسكو بأن واشنطن وحلفاءها يسعون إلى إنهاء الحرب وفق ترتيبات سياسية سريعة، من دون إعطاء الأولوية الكافية لما يعتبره حقوق الضحايا ومصالح الدولة السودانية.

 

دعم مؤسسات الدولة السودانية

 

وبينما تتحرك الولايات المتحدة باتجاه صيغة سياسية لوقف الحرب، تتمسك روسيا بمقاربة تقوم على دعم مؤسسات الدولة السودانية ورفض مساواة الجيش بالقوى المتمردة، ما يجعل السودان ساحة إضافية للتنافس الروسي الأمريكي المتصاعد.
وهكذا، فإن جلسة مجلس الأمن المرتقبة لا تبدو مجرد محطة إجرائية للتصويت على مشروع قرار جديد، بل اختبارًا حقيقيًا لتوازنات القوى الدولية بشأن السودان، وقد تكشف إلى أي مدى يمكن أن يتحول الخلاف بين موسكو وواشنطن من تباين في الرؤى إلى مواجهة دبلوماسية أكثر وضوحًا حول مستقبل الحرب ومسار التسوية السياسية في البلاد.