
باسطة عبدالفتاح .. حلواني الوادي
باسطة عبدالفتاح .. حلواني الوادي
بقلم: إبراهيم فتح الرحمن سمباي
في مدينةٍ تنبض بالحكايات، وتغفو على وسائد الذكريات، هناك عشقٌ خالد، لا يُحكى… بل يُتذوَّق.
إحدى قواعد العشق الأربعين لعطبرة، تلك المدينة التي لا تُروى أسرارها إلا همساً بين موج العطبراوي وقطارات السكة حديد، كانت باسطة عبدالفتاح، حلواني الوادي، معجزةً في هيئة حلوى، ومقطوعةً موسيقية تُعزف على ألسنة العشاق.
من من جيل الستينيات والسبعينيات لم يتذوَّق ذلك الرحيق الوردي؟! أكثر من أربعين عاماً والذاكرة لا تزال معلَّقة عند حافة صحن باسطة تُقدَّم بورق جرائد دنماركية، ملفوفةً بمهارة ساحرٍ شرقي، يُجيد طيَّ الزمان مع كل لفة.
لا سلا وهلا الخرطومية، ولا زليطيمو إخوان من عمان الذين يصنعون الباسطة منذ 1869م،
ولا حتى أساتذة البقلاوة في إسطنبول: كاراكوي جولوغلو، تقسيم سوتيس، وإنسي باستانيزي.
كل هؤلاء، على براعتهم، ما استطاعوا مجاراة نكهة عطبرة حين تنبع من يدي عبدالفتاح.
كان المحل متواضعاً في السوق التحت، هناك، في محيط دائرة الجمال، بالقرب من حلواني أبو خليل ومقهى ود البيه، كان يجلس الكاشير على مكتب صغير كعرشٍ مصغر لحارس سرٍّ قديم، رجل صامت.. طويل نحيف ذو شعر متهدل وشارب طويل، وبجواره ماركات ذهبية لامعة كأنها عملات فرعونية.
أما عامل الطلبات، فكان شاباً يشبه أبطال الملاحم: مفتول العضلات، يلبس أحياناً فانلة نص كم، يقطع الباسطة وكأنه يجري عليها شعاعاً ليزرياً، ثم يلفّها بورق الجرائد، ويثنيها ويكرفسها كمن يُغلق باب حكاية سرّية. ويا له من سر!
سنوات وسنوات وأنا أطارد الطعم… أطارده كما يطارد الحالم طيفاً في المنام. ذُقتُ، قارنت، جرَّبت كل الباسطات شرقاً وغرباً… لكن شيءٌ ما كان ناقصاً دائماً، إلى أن تجلَّت الحقيقة لأكتشف أن عبدالفتاح غالباً ما كان يستخدم سمنًا بقريًا بلديًا، من أبقار شربت من النيل وباركتها ضفائره.
يمزج جوز الطيب، والقرفة الهندية ماركة أبو برش يشتريها من خضر الكعيك، مع تصنيع الـ”قلاش” من دقيق خاص، وفول سوداني محمَّص بعناية مكسراتي خبير.
ويُضفي على خلطته روح ماء الورد الطبيعي من “أبوشنب”، وكأنها دمعة زهرة وقعت في قدرٍ من السحر..
كان أبناء الخرطوم في ذلك الزمان، يوصون أهلهم العائدين من عطبرة:
“لا تنسوا باسطة عبدالفتاح!”.
عبدالفتاح لم يكن يبدِّل من مواد صناعته شيئاً، ينتقيها ويشتريها من أماكن معينة، كأنها عهدٌ قطعه على مذاق لا يخون.
حتى ورق الجرائد الذي كان يلفّ به الباسطة، لم يحد عنه قط، كان يشتريه من دكان والدنا رحمه الله، دون سواه، وكأن في ذلك الورق سرّاً يكتمل به الطقس، ويُختم به الجمال.
ويُحكى أن خواجة حبيبة، ذلك الغامض الذي مات بسره، والذي كان يكحت الأرض بعودٍ تلو العود في محل محمد خير خوجلي، قد همس بسر الخلطة لعبدالفتاح،
لكن الحقيقة الثابتة أن عبدالفتاح تدرَّب في بلاط الحلواني الكبير، المعلم سليمان دهب، ثم استقلّ، وشق طريقه، وارتقى، حتى صنع بيديه أسطورةً اسمها: باسطة عبدالفتاح طعمٌ لا يُنسى، وذكرى لا تذبل، وسيرة لا تزال تمشي بين الناس.