
الأبيض .. مقبرة أوهام المليشيا وسقوط رهانات أبوظبي
الأبيض .. مقبرة أوهام المليشيا وسقوط رهانات أبوظبي
تقرير: مجدي العجب
لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات عسكرية متقدمة تستخدمها الجيوش الكبرى في ساحات القتال البعيدة، بل أصبحت واحدة من أبرز سمات الحروب الحديثة، حيث فرضت حضورها في العديد من النزاعات حول العالم، وأصبحت تشكل تحدياً أمنياً تواجهه حتى الدول التي تمتلك منظومات دفاعية متطورة وقدرات عسكرية ضخمة. فقد شهدت دول كبرى تعرض مواقع داخل أراضيها لهجمات بطائرات مسيّرة، في تأكيد واضح على أن هذا النوع من الهجمات بات جزءاً من طبيعة المعارك المعاصرة، وليس مؤشراً على حسم الصراع أو تغيير موازين القوى. وفي السودان، تأتي الهجمات التي تنفذها المليشيا المتمردة باستخدام الطائرات المسيّرة ضمن محاولات مستمرة لإحداث أثر إعلامي ونفسي، بعد عجزها عن تحقيق أهدافها عبر المواجهات الميدانية المباشرة. غير أن هذه المحاولات لم تمنع القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها من مواصلة عملياتها وتحقيق تقدم في عدد من المحاور، وسط تأكيدات بأن زمام المبادرة لا يزال بيد القوات المسلحة التي تدير معركتها وفق خطط عسكرية مدروسة.
وفي قلب المشهد تبرز مدينة الأبيض، التي ظلت هدفاً رئيسياً للمليشيا المتمردة منذ أشهر، بعدما حشدت حولها أعداداً كبيرة من العناصر والآليات أملاً في تحقيق اختراق استراتيجي. إلا أن تلك التحركات اصطدمت بجاهزية القوات المدافعة، وبضربات نوعية أضعفت تلك الحشود وأفشلت مخططاتها، في معركة عكست صمود الجنود السودانيين وقدرتهم على التعامل مع التحديات الميدانية.
وبينما تتواصل محاولات الضغط العسكري والإعلامي، تؤكد التطورات على الأرض أن المعارك لا تُحسم بكثرة العتاد أو حجم الدعاية، وإنما بقدرة القوات على التنظيم والصمود وامتلاك زمام المبادرة. ومع استمرار العمليات، تبقى الأيام المقبلة حافلة بتطورات قد ترسم ملامح مرحلة جديدة في مسار الحرب. وملامح نهايات المليشيا باتت واضحة أمام الجميع، فقد تكسرت نصالها، ونسفت القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى مشروع أبوظبي الخبيث الذي سعى لهدم الدولة السودانية والمجتمع.
عجز المليشيا
ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي د. محي الدين محمد محي الدين أن المعركة حول مدينة الأبيض تمثل محطة مفصلية في مسار الحرب، باعتبار أن المدينة لا تحمل أهمية عسكرية فقط، وإنما تتمتع بموقع استراتيجي يجعل السيطرة عليها هدفاً رئيسياً للمليشيا المتمردة منذ بداية مخططاتها.
ويقول في حديث لـ(ألوان) إن المحاولات المتكررة لاستهداف الأبيض، سواء عبر الحشود البرية أو الهجمات بالطائرات المسيّرة، تعكس إدراك المليشيا لأهمية المدينة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن عجزها عن تحقيق اختراق حقيقي على الأرض. ويضيف أن القوات المسلحة السودانية نجحت في إدارة هذه المرحلة بكفاءة عالية، من خلال الاستعداد المبكر وقراءة تحركات الخصم وإفشال خططه قبل وصولها إلى أهدافها.
ويؤكد في حديثه لنا: أن الحروب لا تُحسم بالضجيج الإعلامي أو بكثرة الحديث عن الإمكانات، وإنما بامتلاك القدرة على الصمود وإدارة العمليات وفق رؤية استراتيجية، مشيراً إلى أن ما يحدث في الأبيض يمثل نموذجاً لقدرة القوات المسلحة على التعامل مع التحديات المتغيرة في ميدان القتال.
ويشير إلى أن استمرار تماسك القوات المسلحة والقوات المساندة، إلى جانب الدعم الشعبي، يؤكد أن محاولات فرض واقع جديد بالقوة ستواجه مقاومة كبيرة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات مهمة في مسار العمليات.
أبوظبي والمليشيا
فيما يقول الأكاديمي والمحلل السياسي د. محمد تورشين إن الهجوم المستمر الذي تشنه مليشيا الجنجويد على المدن السودانية، ومحاولاتها استخدام الطائرات المسيّرة لضرب الأهداف المدنية والعسكرية، يعكس حالة التخبط والفشل الميداني بعد فقدانها القدرة على تحقيق أهدافها عبر المواجهات المباشرة.
ويؤكد تورشين في حديثه لـ(ألوان) أن المليشيا لم تعد تمتلك مشروعاً سياسياً أو عسكرياً، وإنما تعتمد على سياسة الاستنزاف ونشر الفوضى، مستندة إلى دعم خارجي يهدف إلى إطالة أمد الحرب ومحاولة فرض واقع جديد على السودان. ويشير إلى أن الدعم الذي تقدمه أبوظبي للمليشيا لم يغيّر من حقيقة المشهد على الأرض، بل ساهم في تعقيد الأزمة وإطالة معاناة السودانيين.
ويضيف أن معركة الأبيض كشفت بوضوح حجم الفارق بين جيش يمتلك عقيدة قتالية ومؤسسات عسكرية راسخة واستخبارات ذات دراية، وجهاز مخابرات له خبرة طويلة، وبين مليشيا تعتمد على الحشود والمرتزقة والدعم الخارجي. فكلما حاولت المليشيا فتح جبهة جديدة أو تحقيق انتصار دعائي، اصطدمت بصمود القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى وقدرتها على إدارة المعارك بكفاءة.
وشدد في حديثه لنا قائلاً: على أن الرهان على إسقاط المدن عبر القصف أو الضغط العسكري لن ينجح، لأن إرادة السودانيين ومؤسسات الدولة أقوى من أي مشروع يستند إلى القوة والدمار، مؤكداً أن محاولات إسناد المليشيا خارجياً لن تمنحها شرعية ولن تصنع لها مستقبلاً في السودان.
الشعب السوداني أقوى
وبعيداً عن جلبة المليشيا الإعلامية، تؤكد معركة الأبيض أن إرادة الشعوب لا تُهزم بالطائرات المسيّرة ولا تُكسر بضجيج المليشيات، وأن الرهان على الفوضى والدمار مصيره الفشل مهما طال الزمن. فالمليشيا التي ظنت أن حشد السلاح وصناعة الرعب يمكن أن يصنعا لها نصراً، اصطدمت بواقع مختلف؛ واقع تصنعه عزيمة الجنود وصمود المدن وإيمان السودانيين بأن الدولة لا تُبنى على أنقاض الوطن.
أما محاولات الدعم الخارجي التي سعت إلى إطالة أمد الحرب ومنح المليشيا فرصة للتمدد، فلن تغيّر حقيقة أن المشاريع القائمة على الفوضى لا تعيش طويلاً، وأن الحسابات السياسية مهما بلغت قوتها تصطدم في النهاية بإرادة الشعوب. فالسودان، بتاريخه وشعبه ومؤسساته، لن يكون ساحة مفتوحة لأصحاب الأطماع، وستبقى محاولات فرض الوصاية أو صناعة وكلاء على الأرض مجرد سراب يتبدد أمام صلابة الموقف الوطني.
لقد أثبتت الأيام أن من يراهن على انهيار السودان يجهل طبيعة هذا الشعب، وأن من يظن أن المال والسلاح يمكن أن يصنعا انتصاراً دائماً، سيكتشف أن الأوطان لا تُشترى، وأن إرادة الشعوب أقوى من كل مخطط عابر.