
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (ضرب الحساب… أم ضرب الرمل؟)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(ضرب الحساب… أم ضرب الرمل؟)
الطلاب، على غير المعهود، قاموا على أرجلهم يصفقون لي مذهولين… وأنا أغلق كتاب التاريخ الضخم وأخرج.
منذ فترة كان شيء غريب يحدث لي.
كنت، وأنا محاضر في التاريخ، أنظر في صفحات أي كتاب فأعرف بدقة أين صدقه وأين كذبه.
والأمر يمتد إلى درجة أن المثقفين من السودان وغيره يجلسون في محاضراتي يستمعون في ذهول، وأيديهم في حجورهم مثل الطالبات، ولا يتحرك أي منهم إلا لتبديل شريط التسجيل.
وسئمت.
وذهبت إلى قريتي… والشلة.
وهناك يحدثونني في حزن عن صديقي إسماعيل.
وكيف أنه، دون سبب، يصاب بشيء مثل الصرع يجعله نصف مشلول و…
وإسماعيل يجر جسمه المرتجف ويزورني… وألاحظ أنه لا ينطق بحرف ما داموا موجودين، فإذا انفردنا حدثني بما هو أمام ووراء الحيطان…
وحين أسوق الحديث يومًا وأخبرهم عن بعض ما سمعته، ويسألون: كيف عرفت؟ أقول: أخبرني إسماعيل.
وعندها أرى الدهشة كلها في عيونهم، ويقولون:
“إسماعيل؟ كيف يحدثك إسماعيل دون لسان؟”
قالوا: لما كان تحت نوبة الصرع أكل نصف لسانه بأسنانه، والطبيب قطع النصف الآخر… إنه الآن أبكم تمامًا.
عندها عرفت كيف كنت أنا أنظر في الكتب فأرى صوابها وخطأها… وعرفت كيف كان إسماعيل يحدثني.
……
هي قصة كتبناها قبل ربع قرن، نحدث فيها أن هناك عالمًا يقع بين عالمي الغيب والشهادة.
والعالم هذا نحتاج إليه الآن…
نحتاج لإعادة السودان المشلول، مثل إسماعيل، إلى شخص يسمعه بطريقة المحاضر هذه.
والأمنية المستحيلة هذه ليست مستحيلة…
… وصبرًا…
…….
والأستاذ حسين خوجلي يسرد، الأربعاء، أسماء النجوم…
نجوم الفن والمجتمع، والسياسة، والإعلام، والرياضة، والشعر، والغناء، والكتابة، والرسم، و…
نجوم في عالمه، وهو من يطل من فوق الحيطان…
ونقرأ أسماء الكبار، ولا نطمع أن نجد اسمنا فيهم… ونقرأ أسماء أنصاف المثقفين والإعلاميين… ونكاد نطمع أن نجد اسمنا فيهم… ولا نجد… ونقرأ أسماء أنصاف الشخصيات… أرباعهم… معشارهم… والنفس تقول لنا:
**”بين الديوم والامتداد
شارع ظلط للعين يبين.”**
انتظر اسمك في لفة الديوم.
ونجد أسماء أم بلينا بت دودو، وحجاز ود الداية… والنفس تتوق وتقول لنا:
يبقى اسمك بعد ديل… قطع شك.
ونخيب…
……
وشيء يخطر لنا… ونخشى أن يقع.
ثم ننتبه إلى أنه لن يقع.
… ما يخطر لنا هو أن الأسماء هذه هي فرشة للمذكرات.
… وحسين يقارب ويباعد كتابة المذكرات.
والمذكرات، منذ بوزويل، وسيمون دي بوفوار، وحتى فلانة الممثلة -يرحمها الله-، المذكرات عند هؤلاء، وما بينهم من العالمين، هي صفحات من كشف الحال وشيلة الحس.
ولما طلب منا بعضهم أن نكتب مذكراتنا قلنا له:
“إن نحن كتبنا ما نعرف… رحلت فرنسا من فرنسا”، كما قال مطر.
و…
كتابة المذكرات في السودان مستحيلة… دينًا، وكرمًا، وجوارًا، وصداقة، وأدبًا… وقلة الأدب في السودان لا وجود لها.
وقحت، لما أرادت لفت الأنظار إليها بابتكار شيء جديد، دعت الناس إلى (الميم)، والميم هو الشذوذ… وفي الشارع.
……
يبقى أن السودان الذي يعود للسودان يقترب، خصوصًا بعد التحول الجديد في الحرب.
والسودان يحتاج إلى كتابة تقول للناس كيف هو البناء.
وحتى الآن، من يتجهون إلى الكتابة… كتابات اجتماعية حسب ما يسمى مذكرات… حتى الآن… الكاتبون هؤلاء يعرفون أن الكتابات عن الناس هي…
عرس معلن.
وهي زواج مسيار… ليس معلنًا.
وهي… “كنداكة نحندكا ليك”.
وكتابات كثيرة عن الناس والدولة سوف تتدفق.
خصوصًا كتابات تكشف كيف أن ثلاثة من الأحزاب تدعم التمرد سرًا…
وتقبض.
و (تقبض) بتشديد الباء.
ونشوف.
