د. التجاني الماحي .. رائد الطب النفسي في السودان يعرض تجربته في نيويورك مارس 1959م

اعداد: ألوان

وصل طبيب نفسي سوداني إلى الولايات المتحدة ليحدث قادة الصحة العقلية هناك عن تجربة الطب النفسي في السودان، مؤكداً أنه لا يسعى إلى إنشاء مستشفى للأمراض العقلية أو إلى توسيع عيادته بعدد كبير من المساعدين.
وقال الطبيب الدكتور التجاني الماحي إن عدد الأطباء النفسيين في السودان كان حتى سنوات قليلة مضت لا يتجاوز شخصاً واحداً، هو نفسه، إذ كان يمثل عملياً الطب النفسي لجميع سكان السودان البالغ عددهم نحو 9 ملايين نسمة. لكنه أوضح أنه أصبح لديه الآن فريق صغير يساعده في عمله.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده الدكتور الماحي في مركز الدراسات العليا للعلاج النفسي في نيويورك، حيث أوضح أن عيادته في الخرطوم تضم حالياً طبيباً نفسياً آخر كامل التدريب، وطبيباً تحت التدريب، واثنين من المساعدين غير المتخصصين طبياً، وأربع ممرضات، إضافة إلى تعاون عدد كبير من المعالجين الدينيين التقليديين الذين يرحب بدورهم في علاج المرضى.

صراع بين القديم والجديد

وأشار الدكتور الماحي إلى أن السودان، مثل كثير من البلدان التي نالت استقلالها حديثاً وتسعى إلى تحديث أسلوب حياتها، بدأ يواجه بعض الظواهر الاجتماعية المرتبطة بما يسمى أعراض الحضارة الغربية.
وأوضح أن الصراع بين الأفكار الجديدة والتقاليد القبلية القديمة أدى إلى زيادة حالات الاضطرابات النفسية في المجتمع السوداني.
وضرب مثالاً على ذلك تعدد الزوجات، الذي كان في الماضي أمراً طبيعياً ومفيداً في مجتمع يعاني ارتفاع معدلات وفيات الأطفال. أما اليوم، ومع تغير القيم الاجتماعية، فقد بدأت النساء يُخبرن بأن تعدد الزوجات أمر غير مرغوب فيه، الأمر الذي أدى إلى ظهور حالات من العصاب النفسي لدى بعض النساء غير الراضيات عن هذا النظام.
ويرى الدكتور الماحي أن هذه المشكلة بدأت تكتسب أبعاد قضية صحة عامة في السودان.

الطب النفسي وفق البيئة المحلية

وكان الدكتور الماحي قد تلقى تدريبه في بريطانيا قبل أن يعود إلى السودان عام 1949 ليؤسس أول عيادة للصحة النفسية في البلاد. ويؤكد أن عمله يعتمد إلى حد كبير على فهم عادات المجتمع السوداني وتقاليده.
ولهذا السبب يستعين بالمعالجين الدينيين، مؤكداً أن الطبيب النفسي لن يستطيع أن يحل محلهم تماماً. وقال إن هؤلاء المعالجين يسعون إلى مصلحة المرضى، وقد تعاونوا معه كثيراً في تحويل الحالات إليه والمساعدة في علاجها.
كما أشار إلى أنه لا يحاول تغيير معتقدات الناس بشأن أمور مثل السحر. فمع أنه شخصياً لا يؤمن بالسحر، إلا أنه لا يفصل المريض عن التمائم التي يحملها، لأنه يرى أن لها تأثيراً نفسياً قد يساعد المريض.

كلية واحدة للطب النفسي

وأوضح الدكتور الماحي أن السودان لا يوجد فيه سوى مدرسة واحدة للطب النفسي، هي المدرسة التي يعمل بها هو نفسه. وقال مازحاً إن البلاد لا تحتاج إلى مدارس متعددة بنظريات مختلفة، لأن ذلك قد يربك المرضى ويخلق مزيداً من الفوضى في العلاج، وهو تعليق قوبل بابتسامات محرجة من بعض الأطباء الأمريكيين الحاضرين.
كما عرض الدكتور الماحي أفكاره في لقاء آخر نظمه مركز الدراسات العليا في مؤسسة كارنيغي.
ويستخدم في علاجه الوسائل الحديثة في الطب النفسي، بما في ذلك الأدوية والعلاج بالصدمات، لكنه لا يفضل إدخال المرضى إلى المستشفيات. إذ يحضر المريض عادة إلى العيادة برفقة أفراد عائلته، وتناقش الأسرة المشكلة مع الفريق الطبي، ثم يعود المريض إلى منزله حتى موعد الزيارة التالية.