
بريطانيا .. البحث عن موطئ قدم في سودان ما بعد الحرب
بريطانيا .. البحث عن موطئ قدم في سودان ما بعد الحرب
تقرير: الهضيبي يس
التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان، المبعوث البريطاني الخاص للسودان ريتشارد كراودر، بحضور وكيل وزارة الخارجية السفير معاوية عثمان خالد. وقال المبعوث البريطاني في تصريح إنه سعيد بزيارته للبلاد بعد استعادة الخرطوم، مشيراً إلى الدمار الممنهج الذي طال العديد من المرافق الحيوية والخدمية بسبب الحرب، فضلاً عن نزوح آلاف المدنيين إلى دول الجوار، مما أسهم في تفاقم الأزمة الإنسانية، التي تمثل أسوأ كارثة إنسانية في العالم. مبيناً أن تقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية رسم صورة قاتمة لانتهاكات القانون الدولي والإنساني، بجانب التدخل الخارجي في الأزمة عبر تجنيد المرتزقة الأجانب. وأضاف كراودر أن الأولوية يجب أن تكون لإيقاف الحرب وضمان سلامة الأرواح وإنهاء المعاناة الإنسانية. مبيناً أن ذلك يمكن حدوثه من خلال حوار يقوده ويمتلكه السودانيون، عبر عملية سياسية شاملة وشفافة تمثل رؤية السودانيين في الداخل والخارج.
وأعرب المبعوث البريطاني عن ترحيب بلاده بمبادرات أصحاب المصلحة الحقيقيين، مشيداً بالضمانات التي طرحتها حكومة السودان بشأن الذين يمكن أن يشاركوا في الحوار.
وأشار كراودر إلى أن بلاده ستشارك خلال الأيام القادمة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، وستحظى الأزمة السودانية باهتمام من قادة العالم.
وفي المقابل، عقد المبعوث البريطاني لقاءً مع أعضاء لجنة تهيئة الحوار السوداني بالعاصمة الخرطوم، استمع خلاله إلى مجمل التحديات وأبعاد وأهداف الخطوة، ومدى التوقعات بشأن تأثير المبادرة على أزمة الحرب في السودان وبقية القضايا، وتأثيرها في الحد من النزاع المسلح الدائر، وكذا توخي الحذر حال التوصل إلى أي اتفاق قادم، مما قد يحدث لدول الجوار السوداني جراء تمدد رقعة الحرب.
بينما بحث المبعوث البريطاني للسودان، في لقاء منفصل مع قيادات الكتلة الديمقراطية للتغيير بقيادة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي والأمين السياسي للتحالف، رؤية (الكتلة الديمقراطية) بشأن مبادرة الحوار السوداني، التي تستوجب عدة مطلوبات، حسبما ذكر مناوي، أبرزها شمول الأطراف المشاركة، لما لذلك من تأثير مستقبلي على واقع البلاد سياسياً وأمنياً واقتصادياً، لافتاً إلى أن اللقاء مع المبعوث البريطاني كان صريحاً وشفافاً حول موقف المملكة المتحدة من قضية الحرب في السودان في أروقة المجتمع الدولي، والتي تحمل قدراً كبيراً من الاضطراب وعدم تحديد المواقف حول مجريات الانتهاكات التي تحدث على يد مليشيا الدعم السريع، وأيضاً الضغط في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول الاتحاد الأوروبي لتمرير مقترح حظر شامل للسلاح في كافة أرجاء السودان، كما حدث مؤخراً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان، وهو الأمر الذي لن يسهم في حل الأزمة، بقدر ما سيؤدي إلى تأزيم الموقف وتعقيده أكثر مما هو عليه الآن، باعتبار أنه محاولة لفرض واقع جديد على السودانيين.
وتتمسك بريطانيا بموقف ضبابي ومضطرب ناحية توصيف الحرب في السودان منذ الوهلة الأولى لاندلاع المواجهات العسكرية بين الجيش وعناصر مليشيا الدعم السريع، وحسبما ذهب إليه مراقبون، فهي دولة تبحث عن مصالحها في كل مكان، حيث ترغب بالحفاظ على حالة الإرث الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بينها وبين السودان، بينما لا تود الخروج من غطائها، وما يجمعها من مصالح وعلاقة وصفت بالاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك دول مثل ألمانيا والنرويج والإمارات وفرنسا. هذا الموقف بدوره أفقدها حالة الثقة من قبل الدوائر السودانية، فمن الملاحظ أن سمة العلاقة ما بعد الحرب لم تتجاوز محطة التبادل الدبلوماسي، بعيداً عن أي مستويات أخرى، رغم مخاوف لندن من تمدد بعض الأطراف الخارجية والدولية في الداخل السوداني، مثل روسيا وإيران، خلال السنوات الماضية، نتيجة لفقدان مساحتها في العلاقة مع الخرطوم، دون تطوير ملحوظ سوى على الشاكلة الاقتصادية أو الأمنية.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي صلاح حبيب أن مواقف العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي، ومنهم بريطانيا، تجاه قضايا الحرب برمتها، سواء الانتهاكات الإنسانية وما طال مؤسسات الدولة من دمار وخراب، لم يكن فيها قدر من المنطق، مما سيكون له قطعاً تأثير مستقبلي على طبيعة العلاقة، التي لعبت بريطانيا دوراً في إدارة حوار مع الحكومة السودانية خلال السنوات الماضية، وأفضت إلى تحسن سمة ما يجمع ما بين لندن والخرطوم، بينما شكل مؤتمر لندن للقوى والتنظيمات السياسية في يونيو الماضي خطوة لمعرفة والاطلاع على وجهة نظر بريطانيا ناحية الحرب في السودان، لما لها من تأثير، ولكن تظل المجموعات واللوبيات مثل مجلس اللوردات في بريطانيا وغيرها من المنظمات، لها رأي آخر في إطار تشكيل المواقف وفقاً لمصالح بعينها.
ويضيف حبيب: هذه المسائل وغيرها أفقدت ثقة السودان، شعباً وحكومة، مع الأسف الشديد في بريطانيا، التي كان بإمكان الذهاب معها أبعد مما هو عليه الآن، فمثلاً تقرير لجنة تقصي الحقائق الأخير، الذي ما يزال يصر على المساواة بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، أليس من الأجدى أن تكون بريطانيا قد بحثت وتقصت بنفسها قبيل الذهاب باتجاه اتخاذ قرار مساندة رواية الإدارة الأمريكية بشأن استخدام السلاح في السودان، وهو بالطبع أمر مشروع وفقاً لما نصت عليه القوانين والمواثيق الدولية، بخلاف رواية الكيماوي الزائفة، والتي دعا فيها السودان الولايات المتحدة الأمريكية للمجيء والتحقق مما تتبناه وإثبات حقيقة الأمر بإشهار الأدلة للعالم، دون وجود لرد واضح، بخلاف التمسك برواية تجمع بريطانيا وأمريكا معاً والدمغ بها أمام العالم.
وزاد: وعليه، فإن زيارة المبعوث البريطاني أيضاً، في هذه التوقعات، تحمل مؤشرات ودلائل يجب استصحابها، وهي رغبة المملكة البريطانية في عدم فقدان السودان والحفاظ على ما تبقى من شعرة معاوية، وعدم العودة للمحطة الأولى إبان عهد الرئيس السابق عمر البشير، وما شاب علاقات الدولتين من اضطرابات بطرد سفير المملكة المتحدة نتيجة توتر العلاقة والوصول إلى أقصى درجات الحرب الباردة، ما يعني توفر فرصة جديدة للوقوف على مجمل القضايا بقدر كبير من الشفافية، وفتح باب لنقاش المباحثات مع البريطاني، بعيداً عن توجيه أصابع الاتهامات والبحث عن ثنايا المصالح المشتركة، في ظل ما تبحث عنه المملكة المتحدة عند السودان.
