مجلس حقوق الإنسان .. مخاوف من تكرار سيناريو الفاشر في الأبيض

مجلس حقوق الإنسان .. مخاوف من تكرار سيناريو الفاشر في الأبيض

تقرير: الهضيبي يس

عقد مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الجمعة في جنيف، جلسة لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان في مدينة الأُبيّض ومحيطها بولاية شمال كردفان، في ظل استمرار النزاع في السودان. وتأتي الجلسة بناءً على طلب تقدّمت به كل من ألمانيا، وأيرلندا، وهولندا، والنرويج، والمملكة المتحدة، محذّرةً من مخاطر تصعيد ميداني قد يعرّض نحو 500 ألف مدني لخطر انتهاكات واسعة النطاق، في ظل تزايد هجمات الطائرات المسيّرة وتدهور الأوضاع الإنسانية. كما تعتزم الدول مقدّمة الطلب طرح مشروع قرار لاعتماده في ختام الجلسات. وخاطب وزير الخارجية والتعاون الدولي، السفير محي الدين سالم، الجلسة الخاصة التي عقدها مجلس حقوق الإنسان بشأن الأوضاع في مدينة الأبيض وما حولها، حيث شدّد على أن ما جرى في الفاشر يبرهن بوضوح أن القرارات والبيانات وحدها لا تعني شيئاً لمليشيا إجرامية تتباهى بازدراء قرارات المجتمع الدولي وتضرب بها عرض الحائط، وأن الهجمات المتواصلة التي تشنّها المليشيا الإرهابية على مدينة الأبيض وما حولها، واستهدافها للمرافق المدنية والخدمية والبنى التحتية، تمثل امتداداً مباشراً للحرب المفتوحة التي تشنّها ضد الدولة والشعب السوداني منذ فشلها في الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح.

 

 

ودعا وزير الخارجية الدول التي تقدّمت بطلب عقد الجلسة إلى اتخاذ موقف أكثر مباشرة وفاعلية، عبر توجيه رسالة قوية وعاجلة إلى الدولة الراعية للمليشيا الإرهابية للكف فوراً عن إمدادها بالعتاد العسكري المتطور والمسيّرات الاستراتيجية التي تُستخدم في قصف المدن والمرافق المدنية. وجدد مناشدة السودان بالإسراع في تصنيف المليشيا كجماعة إرهابية، بعد أن استوفت كافة المعايير القانونية والعملية للتصنيف وفقاً لتعريف الإرهاب والأعمال الإرهابية، مؤكداً انفتاح حكومة السودان واستعدادها للانخراط الإيجابي مع كل المبادرات الصادقة الرامية إلى وقف هذه الحرب بالوكالة، متى ما كانت متسقة مع خارطة الطريق التي أودعها فخامة رئيس مجلس السيادة الانتقالي لدى الأمم المتحدة في 10 مارس 2025م، ومع مبادرة حكومة السودان للسلام التي أودعها رئيس الوزراء لدى مجلس الأمن في 22 ديسمبر 2025، والقائمة على تفكيك المليشيا وجمع سلاحها وتجميعها في مناطق يُتفق عليها، تمهيداً للدخول في ترتيبات أمنية، بما في ذلك وقف إطلاق النار، وعملية سياسية سودانية – سودانية بملكية وطنية، مع الترحيب بأي دعم وإسناد من الأمم المتحدة والشركاء الدوليين والإقليميين.
ولفت وزير الخارجية إلى أن تعاون حكومة السودان مع آليات الأمم المتحدة، بما في ذلك المكتب القطري لحقوق الإنسان في السودان والخبير المعين، يعكس التزاماً وطنياً أصيلاً بحماية حقوق الإنسان، وليس مجرد استجابة لمتطلبات خارجية، مشدداً على أن أجهزة الدولة وآلياتها المعنية بتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا ومنع الإفلات من العقاب تعمل بنزاهة وكفاءة.
في المقابل، قالت لجنة تقصي الحقائق بالسودان إن نصف مليون شخص من سكان مدينة الأبيض، بالإضافة إلى 100 ألف نازح إلى المدينة هربوا من مدن أخرى تم تدميرها، جميعهم يدعون مجلس حقوق الإنسان للتحرك. وأضافت ممثلة اللجنة أمام جلسة مجلس حقوق الإنسان أن مليشيا الدعم السريع تكرر سيناريو الفاشر في الأبيض، وأشارت إلى أن اللجنة تحدثت مع أشخاص في المدينة يخافون على مصيرهم بعد بث الدعم السريع مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تكشف عن تعزيزات عسكرية حول المدينة استعداداً لدخولها.
في المقابل، حذّر مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن مدينة الأبيض في شمال كردفان تواجه كارثة إنسانية، مع تعرض المدنيين لظروف أشبه بالحصار منذ 18 شهراً، وبلوغ نقص المياه النظيفة مستوى حرجاً، داعياً إلى منع تكرار الفظائع التي شهدتها الفاشر ومخيم زمزم. وأضاف تورك أن نقص المياه النظيفة بلغ مستوى حرجاً في مدينة الأبيض بالسودان، مشدداً على أنه لا يمكن السماح بتكرار الفظائع التي وقعت من قبل في السودان، واصفاً ما تتعرض له مدينة الأبيض بأنه كارثة جديدة لحقوق الإنسان بدأت تتكشف داخل المدينة.
وكانت مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور قد تعرضت، بحلول منتصف أكتوبر 2025م، لسيناريو مشابه أسفر في نهاية المطاف عن سقوط المدينة، التي عاشت أوضاعاً إنسانية غاية في القسوة، مع وقوع انتهاكات بحق المدنيين العزل على يد الدعم السريع، فضلاً عن نزوح مئات الآلاف فراراً من الوقوع في أيدي عناصر المليشيا، وما صاحب ذلك من تدمير ونهب وسلب لممتلكات ومرافق عامة مثل محطات المياه والكهرباء والمستشفيات.
وتتخوف عدة منظمات حقوقية عاملة في الحقل الإنساني داخل وخارج السودان من تطبيق ذات السيناريو في مدينة الأبيض، وهو ما قد يضاعف حجم الاحتياجات الإنسانية الأساسية، ويفرض ضغوطاً أكبر على المجتمع الدولي لتحمل المسؤولية تجاه ما يتعرض له هؤلاء الأشخاص على يد الدعم السريع دون أي مصوغات واضحة بخلاف نزعة الانتقام.
وفي وقت قدرت فيه الأمم المتحدة عدد النازحين من إقليم كردفان خلال الفترة من 25 أكتوبر 2025 إلى 23 يونيو 2026 بنحو 219,319 شخصاً، فرّ معظمهم إلى ولاية الخرطوم التي استقبلت 75,005 نازحين، تليها ولاية النيل الأبيض التي آوت 39,442 نازحاً.
وأوضحت الأمم المتحدة أن إقليم كردفان شهد تصاعداً ملحوظاً في موجات النزوح منذ أواخر فبراير 2026، في ظل التدهور المستمر للأوضاع الإنسانية في الإقليم نتيجة ما تقوم به قوات الدعم السريع.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل عبدالرحيم البشير أن مدينة الأبيض تعيش حالة من الاستقرار الأمني التام، رغم ما تتعرض له من حصار تسبب في نقص انسياب الوقود ومياه الشرب، وانخفاض مستوى الاحتياجات الصحية، نافياً ما يصدر من غرف مليشيا الدعم السريع حول بسط سيطرتها على أراضٍ واسعة من المحليات التابعة للمدينة مثل محلية شيكان.
ويضيف البشير أن الدعم السريع بات يعتمد على الآلية الإعلامية عبر ضخّ قدر كبير من المواد التي تحمل محتوى التخويف والترهيب، بغرض دفع المواطنين إلى مغادرة المدينة في إطار نزوح جماعي وإفراغها، وهي خطة لطالما اعتمدت عليها المليشيا واستخدمتها سابقاً للاستفادة من العوامل النفسية المرتبطة بحالة الهشاشة الإنسانية التي يمر بها السودانيون نتيجة الانتهاكات التي وقعت سابقاً في عدة مدن سودانية وأسفرت عن مقتل المئات.
ويضيف أن مواطني الأبيض يدركون حجم التآمر وما يُحاك بهم، لكنهم يحتاجون إلى المساندة والدعم سياسياً وعسكرياً، وإلى إيجاد مسار لسد نقص الاحتياجات، خاصة الغذائية والطبية، وعندها سترتفع الروح المعنوية، وسيتشكل رأي عام أكبر مما هو عليه الآن بأن المدينة هي قلب السودان النابض، لما تتمتع به من قدرات اقتصادية وتاريخ وثقافة ومرجعية اجتماعية يحتاج إليها السودانيون حالياً.