السودان .. خطوات عملية لأجل التعافي الاقتصادي

السودان .. خطوات عملية لأجل التعافي الاقتصادي

تقرير: مجدي العجب
في وقت تتجه فيه أنظار السودانيين إلى مؤشرات الاقتصاد وسط تحديات المرحلة الراهنة، تبرز تحركات الدولة في محاولة لإعادة ضبط إيقاع السوق واستعادة التوازن في القطاع النقدي، عبر حزمة من الإجراءات التي تستهدف تهدئة سوق الصرف، وتعزيز دور الجهاز المصرفي، وتوفير احتياجات الاستيراد من النقد الأجنبي. فقد وضعت الحكومة الملف الاقتصادي في مقدمة أولوياتها، باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطاً بحياة المواطنين واستقرارهم المعيشي، حيث أكدت وزارة المالية أن الأوضاع الاقتصادية تسير تحت السيطرة، مشيرة إلى أن التدابير التي اتخذتها بالتنسيق مع بنك السودان المركزي بدأت تنعكس على حركة أسعار العملات الأجنبية، وسط توقعات باستمرار التحسن خلال الفترة المقبلة. وفي الاتجاه ذاته، يمضي البنك المركزي في تنفيذ سياساته الرامية إلى دعم استقرار سوق النقد الأجنبي، من خلال ضخ العملات الأجنبية للمصارف التجارية لتغطية احتياجات المستوردين، إلى جانب تعزيز التحول الرقمي في القطاع المصرفي عبر التوسع في خدمات التحويلات الإلكترونية، بما يعكس مساعي بناء منظومة مالية أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة تداعيات الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

 

 

وتأتي هذه التحركات الاقتصادية بالتزامن مع متابعة مجلس السيادة الانتقالي للملفات الوطنية ذات الصلة بالأوضاع الاقتصادية والأمنية والخدمية، حيث شدد في اجتماع برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان على أهمية استكمال الإجراءات التي من شأنها تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، ومواجهة التحديات التي فرضتها الحرب وتداعياتها على مختلف مناحي الحياة. وبينما تسعى الدولة إلى استعادة الثقة في المؤشرات الاقتصادية، يبقى التحدي الأكبر هو ترجمة هذه الإجراءات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في الأسواق والأسعار والخدمات، في معركة تتطلب تضافر الجهود الرسمية والمصرفية والمجتمعية من أجل عبور المرحلة نحو استقرار اقتصادي مستدام.

 

انخفاض سعر الصرف

وأكد وزير المالية ورئيس قطاع التنمية الاقتصادية بمجلس الوزراء، د. جبريل إبراهيم، أن الحكومة تتابع عن كثب تطورات سعر صرف العملة الوطنية، مشيراً إلى أن الأوضاع الاقتصادية بالبلاد تحت السيطرة. وأوضح الوزير، في تصريح صحفي عقب اجتماع القطاع الاقتصادي بمجلس الوزراء، أن التدابير والإجراءات التي اتخذتها الدولة بالتنسيق مع بنك السودان المركزي بدأت تؤتي ثمارها، حيث سجلت أسعار صرف العملات الأجنبية انخفاضاً ملحوظاً خلال اليومين الماضيين، متوقعاً استمرار هذا الانخفاض خلال الأيام المقبلة. وأشار د. جبريل إلى أن الدولة تبذل جهوداً كبيرة لضبط الأسواق وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والمعيشي، مؤكداً أن الإجراءات المتخذة ستنعكس إيجاباً على أسعار الوقود والسلع الاستراتيجية. ودعا المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الشائعات أو القلق من احتمالات حدوث ارتفاعات أو تفلتات في الأسعار، مشدداً على أن الحكومة تواصل تنفيذ سياساتها الرامية إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

المركزي يؤكد

وأكد بنك السودان المركزي، استمرار ضخ النقد الأجنبي للمصارف التجارية لتغطية احتياجات المستوردين، معلناً نجاح هذه السياسة في تحقيق انخفاض ملحوظ في سعر الصرف. وكشف في ذات الوقت عن تسجيل تقدم كبير في خدمات التحويلات المصرفية الرقمية عبر رقم الحساب المصرفي الأساسي (BBAN) خلال عام ونصف. وشهدت السوق الموازية، خلال التعاملات الاخيرة، تراجعاً طفيفاً في أسعار العملات الأجنبية، مدفوعة باستمرار البنك المركزي في تلبية طلبات تمويل الاستيراد، حيث جرى تداول الدولار عند نحو 5000 جنيه، فيما بلغ سعر الدرهم الإماراتي 1415 جنيهاً، بينما استقر سعر جرام الذهب عند 580 ألف جنيه.
وقال البنك المركزي، في بيان، إن المحافظ آمنة ميرغني حسن التوم عقدت اجتماعاً مع مديري عموم المصارف العاملة بالبلاد بمقر رئاسة البنك بولاية الخرطوم، وقدمت تنويراً حول جهود البنك في تحقيق الاستقرار بسوق النقد الأجنبي عبر ضخ العملات الأجنبية للمصارف لتلبية احتياجات المستوردين. وأكدت المحافظ أهمية تعزيز التعاون والتنسيق بين البنك المركزي والمصارف التجارية لتحقيق أهداف السياسة النقدية، مشيرة إلى أن تدخلات البنك المركزي أسهمت في تحقيق انخفاض ملحوظ في سعر الصرف، مع استمرار عمليات الضخ إلى حين عودة الأوضاع إلى طبيعتها. كما دعت المصارف إلى رفع طلبات عملائها الخاصة بتمويل الاستيراد بالنقد الأجنبي بصورة يومية.
وفي سياق متصل، كشفت المحافظ عن العمل على إقامة علاقات مراسلة مصرفية مع سلطنة عُمان ودولة قطر والمملكة العربية السعودية، بما يدعم حركة التبادل التجاري عبر الجهاز المصرفي الرسمي. وجددت التزام البنك المركزي بمعالجة التحديات التي تواجه القطاع المصرفي، والاستمرار في المتابعة الدورية لسوق الصرف واتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز استقراره، مؤكدة أن نجاح السياسات النقدية يتطلب قدراً عالياً من الانسجام والتنسيق بين البنك المركزي والمصارف التجارية.
من جانبه، أشاد رئيس اتحاد المصارف السوداني، عباس عبد الله عباس، بالنهج التشاوري الذي يتبعه البنك المركزي، وبالدور الذي يؤديه في دعم الاستقرار الاقتصادي خلال مرحلة ما بعد الحرب، مؤكداً أن استمرار ضخ النقد الأجنبي لتلبية احتياجات المستوردين أسهم بصورة واضحة في استقرار سعر الصرف وتحسنه بشكل يومي.
كما شدد على أهمية تحديث أنظمة المصارف المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فيما أكد عدد من مديري المصارف دعمهم الكامل لسياسات البنك المركزي الرامية إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وفي محور آخر، أعلن بنك السودان المركزي أن شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية التابعة له سجلت نمواً كبيراً في خدمات التحويل بين الحسابات عبر رقم الحساب المصرفي الأساسي (BBAN)، حيث تجاوز إجمالي المعاملات المنفذة 234 مليون معاملة خلال الفترة بين عام 2025 والنصف الأول من عام 2026.
وأوضح تقرير تقدم الأعمال الصادر في 25 يونيو 2026 أن عدد المعاملات ارتفع من 92,800,820 معاملة في عام 2025 إلى 141,461,335 معاملة خلال النصف الأول من عام 2026، بنسبة نمو بلغت 52.44%، في مؤشر يعكس تسارع التحول الرقمي في القطاع المصرفي السوداني.
وأشار البنك إلى أن خدمة BBAN تتيح تنفيذ التحويلات المالية الفورية بين الحسابات المصرفية باستخدام رقم الحساب الموحد، دون الحاجة إلى زيارة الفروع أو التعامل بالنقد، بما يعزز الشمول المالي ويدعم التحول نحو الاقتصاد غير النقدي.
وأكد البنك المركزي مواصلة تطوير منظومة المدفوعات الرقمية وتوسيع نطاقها بما يخدم المتعاملين ويدعم مستهدفات التحول الرقمي على المستوى الوطني.

 

عودة النشاط

ويقول الخبير الاقتصادي دكتور محمود سراج الدين “إن معالجة الأزمة الاقتصادية في السودان لا يمكن أن تتم عبر الإجراءات المؤقتة أو الحلول الجزئية، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة، وتستعيد عجلة الإنتاج، وتوقف نزيف الموارد. واضاف في حديث ل”الوان” إن استقرار سعر الصرف مرتبط مباشرة بعودة النشاط الاقتصادي، وزيادة الصادرات، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي. وزاد في حديثه لنا قائلا: الاقتصاد السوداني يمتلك مقومات كبيرة، لكن الاستفادة منها تتطلب إرادة سياسية وإدارة اقتصادية قائمة على التخطيط والشفافية.”

جراحات اقتصادية

فيما قال خبراء اقتصاديون استطلعتهم “ألوان”: “الاقتصاد السوداني يمر بمرحلة دقيقة تتطلب قرارات جريئة وإدارة أكثر كفاءة للموارد، فاستقرار العملة لا يتحقق بالتصريحات وحدها، وإنما بزيادة الإنتاج، وتعزيز الصادرات، ومحاربة المضاربات، وإعادة الثقة في الجهاز المصرفي. ورغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب، فإن السودان يمتلك موارد زراعية ومعدنية وبشرية يمكن أن تشكل أساساً للتعافي الاقتصادي متى ما توفرت السياسات السليمة والبيئة المستقرة.”

إرادة الاصلاح

قد يبقى الاقتصاد السوداني أمام اختبار حقيقي، فالمعركة لا تقتصر على ضبط سعر الصرف أو معالجة المؤشرات الآنية، بل تمتد إلى بناء اقتصاد منتج قادر على الصمود واستعادة عافيته. وبين تحديات الحرب وضغوط المعيشة، تظل الإرادة في الإصلاح واستغلال موارد البلاد هي الطريق نحو استقرار اقتصادي يعيد الثقة ويضع السودان على مسار التعافي.