حسين خوجلي يكتب: سباعية نقرأها مع الحلنقي

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

سباعية نقرأها مع الحلنقي

 

1
لو كان هنالك سبيل للتواصل لأبرقت العبقري أنشتاين صاحب النظرية النسبية قائلاً باختصار :
للأسف فإن الذي كنت تخشاه منذ سنوات بعيدة قد تم واستفحل وقضى على أخضر ويابس المشاعر ولم يبق إلا الرماد كان الرجل قديماً يقول محذراً في مقولة شهيرة موثقة:
إني أخاف من اليوم الذي تتفوق فيه التكنلوجيا على التفاعل البشري، حينها سيمتلك العالم جيل من الحمقى.

2
إنها دعوة لهذا الجيل بأن يبدأ في إعادة قراءة الكتب المؤسسة ومنها مقدمة ابن خلدون وتهافت الفلاسفة للغزالي وطبائع الاستبداد للكواكبي. وللرجل منظومة من الحكم منثورة في كتبه تُشكل مدخلاً لحزمة من المحاضرات والأوراق العملية ، ومن هذه الأقوال عبارة تصلح بأن تكون (قرصة) في أذن الإعلاميين والصحفيين العرب.
أخطر أنواع السكوت ليس الصمت عن الحق، بل إقناع النفس بأن هذا الصمت حكمة.

3
من الخواجات المفكرين وأصحاب الكتابة الرشيقه والعميقة مارك توين، وله منظومة في الحكم وموضوعات الدلالة والمعنى ما يصلح للحفظ والهدايا. وهذه المقولة مُهداه للذين يُهدرون كرامتهم وراء اللئام فلا ينالون إلا السراب أو الاحترام المزيف. يقول توين:
أن تستحق الاحترام ولا تحصل عليه أفضل من أن تحصل عليه ولا أنت تستحقه.

4
المفكرون الكبار حتى إن لم يكن بين أيديهم رسول أو رسالة فإن فطرتهم السليمة الشجاعة المقتحمة بتجاربها للحياة يقولون حديثاً يطابق قيم الدين وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال :(بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ)
وبعض الفلاسفة من قبل الرسالات كان فيهم مثل هذه الأخلاق التي أشار إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد كان أرسطو هذا الفيلسوف صاحب العقل الجبار يقول لتلاميذه:
من يهزم رغباته أشجع ممن يهزم أعداءه،لأن أصعب انتصار هو الانتصار على النفس.
وقد تلطف البوصيري ومن بعده شوقي في التعبير عن ذلك شعراً في فكرة وسلاسلة وجزالة إذ يقول البوصري في بردته:
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى
حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
فَاصْرِفْ هَوَاهَا وَحَاذِرْ أَنْ تُوَلِّيَهُ
إِنَّ الْهَوَى مَا تَوَلَّى يُصْمِ أَوْ يَصِمِ
وَرَاعِهَا وَهْيَ فِي الْأَعْمَالِ سَائِمَةٌ
وَإِنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ الْمَرْعَى فَلَا تُسِمِ
كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةً لِلْمَرْءِ قَاتِلَةً
مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ فِي الدَّسَمِ

ويقول شوقي معارضاً وفي بعض الحالات متجاوزاً ومنافساً:
صَلاحُ أَمرِكَ لِلأَخلاقِ مَرجِعُهُ
فَقَوِّمِ النَفسَ بِالأَخلاقِ تَستَقِمِ
وَالنَفسُ مِن خَيرِها في خَيرِ عافِيَةٍ
وَالنَفسُ مِن شَرِّها في مَرتَعٍ وَخِمِ
تَطغى إِذا مُكِّنَت مِن لَذَّةٍ وَهَوىً
طَغيَ الجِيادِ إِذا عَضَّت عَلى الشُكُمِ

وينسى المعاصرون حين يأتى ذكر بردة البوصري أو شوقي الافتراع الأول والروعة الأولى التي غطت زمان الشعر الجاهلي والإسلامي والحديث البردة الأولى بردة المصطفى التي غطى بها جسد كعب ابن زهير وهو يشدو بحداء شق أودية العالمين
قالَ كُلُّ خَليلٍ كُنتُ آمُلُهُ
لا أُلفِيَنَّكَ إِنّي عَنكَ مَشغولُ
فَقُلتُ خَلّوا طَريقي لا أَبا لَكُمُ
فَكُلُّ ما قَدَّرَ الرَحمَنُ مَفعولُ
كُلُ اِبنِ أُنثى وَإِن طالَت سَلامَتُهُ
يَوماً عَلى آلَةٍ حَدباءَ مَحمولُ
أُنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللَهِ أَوعَدَني
وَالعَفُوُ عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ
مَهلاً هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَةَ
القُرآنِ فيها مَواعيظٌ وَتَفصيلُ
لا تَأَخُذَنّي بِأَقوالِ الوُشاةِ وَلَم
أُذِنب وَلَو كَثُرَت عَنّي الأَقاويلُ
لَقَد أَقومُ مَقاماً لَو يَقومُ بِهِ
أَرى وَأَسمَعُ ما لَو يَسمَعُ الفيلُ
لَظَلَّ يُرعَدُ إِلّا أَن يَكونَ لَهُ
مِنَ الرَسولِ بِإِذنِ اللَهِ تَنويلُ

5
الفيلسوف الوجودي سارتر له الكثير من الأفكار في الباطل، ولكنه له الكثير من الأفكار في الحق والحقيقة إن كان يعلم أو لا يعلم. وفي مقولته هذه عن الأفكار وددت لو أنه أكملها بقوله (وحتى أفكار الحقيقة هذه لا عطاء لها ولا ثمر إلا إذا صارت أفعالة خيرة تمشي بين الناس) .
يقول سارتر:
لا تُقاس قوة الإنسان بما يحمل من أفكار، ولكن بما يملك من شجاعة ليحول أفكاره إلى حقيقة حتى ولو كانت في مواجهة العالم بأسره.
6
قال لي أحد الأصدقاء راجياً مني أن نكثر في الكتابة من الأقوال القاسيات الشافيات ،لأن الواقع السوداني يحتاج إلى صدمة ويقظة فأنبت رجاءه في ذاكرتي عبارة قديمة للدكتور والمفكر مصطفى محمود صاحب الكتاب المقروء ( رحلتي من الشك إلى الإيمان) ومقولته هذه هي عبارة فلسفية قصيرة في أدب الصدمات إذ يقول عليه الرحمة:
لا تحزن عند الصدمات فلولاها لبقينا مخدوعين لمدة أطول هي قاسية لكنها صادقة.

7
عندما عاد الاخ المطبوع إسحق الحلنقي من هجرته الطويلة كان بعض التقدير الذي نهديه له أن نقلده إحدى مؤسساتنا الثقافية الإعلامية. وقد أسس معنا مشكوراً إذاعة المساء وصار مديراً لها وقدم الكثير من البرامج التي جَمَّل بها المساء الإذاعة ومساءات بلادنا. وللأسف ذهبت كل هذه التسجيلات النادرة للرجل حيث أحرق الأوغاد مكتبتها وسرقوا أجهزتها ولكن الذي لم يستطيعوا فعله أن الحلنقي ما زال قادراً على العطاء والشَدَو رغم أنف النكبة.
في إحدى الجلسات الحبيبة إلى النفس في إذاعة المساء وفي مكتبه الأنيق وعلى أكواب شربات الفرح قلت له معاتباً: لقد توقفت يا حلنقي عن كتابة القصائد المُحرضة على الأوبة لبلادنا فمنذ (حمام الوادي وعصافير الخريف) لم أسمع لك نصاً جديداً يعاتب أصحاب الغياب الطويل. وبدون مقدمات أو تحضير يدفع عنه هذا الإتهام قرأ بصوته الخفيض الهامس العميق المترع بالحب للوطن والناس هذا النص من السهل الممتنع بعنوان (الكروان) والذي عرفت لاحقاً ان إحدى المطربات من صاحبات الإجادة في الأداء قد تغنت به:

لـيه يا كروان خليت عشك
بـاريت الـغربة الـبتغشك
فـارقـت الـبلد الـبتريدك
وبالصندل كـانت بـترشك

لـيه يا كروان سبت ديارك
ومـشيت خـليتهم سـمارك
دي الـغربة الـحتت نوارك
مـا تـسيبها تـقلل مقدارك
دا الـبعد الحاصل كان منك
ليه نرمي اللوم على اقدارك

لـيه يا كروان خليت ناسك
ومـشيت لـلناس الماناسك
انـت المعروف بين جلاسك
مـعروف بي رقة احساسك
ليه تنسى عيون النيل والليل
والـريد الـحابس انـفاسك

لـيه يـا كروان بعدك طول
ومـا عـاد تغريدك زي أول
انـا عارفو حنينك ما تحول
عـشق الأوطـان ما بتاول
اصلو الانسان ما بكون انسان
لـو بنسى قديم زمنو الأول