عامر باشاب يكتب: إدارات (الأوقاف) بالولايات وصمت القبور .. حقاً ماذا يدور؟!

قُصر الكلام

عامر باشاب

إدارات (الأوقاف) بالولايات وصمت القبور .. حقاً ماذا يدور؟!

خلال الأيام الماضية كتبت أكثر من مقال عن حالة التردي والإهمال التي يعيشها قطاع الأوقاف في كل ولايات السودان، وذكرت بأن غالبية العقارات أو الأعيان الوقفية العتيقة التي ظلت تديرها الأوقاف، وهي بالطبع أوقفها عبر السنين والحقب التاريخية رجال مال وأعمال من خيرة المحسنين، وظلت هذه الأعيان الوقفية حتى سنوات الإنقاذ الخصبة فاعلة تدر بالمال الحلال المبارك الذي يكفي الشرائح الضعيفة المستهدفة بالإنفاق تنفيذاً لـ(شرط الواقف)، ومن بعد ذلك تمتد بما يزيد ويفيض بالخير من الإيرادات لكل أعمال البر والخير والإحسان والإسناد.
كما تحدثت بكل الأسف عن خروج غالبية هذه العقارات عن الخدمة في السنوات الأخيرة ما قبل الحرب، ما عدا القليل منها، وأشرت إلى أن في زمان الغفلة هذا توقف (شرط الواقف)، وطُرد من حاله واقف؟!
الغريب والعجيب في الأمر أن ما كتبته وأشرت إليه بكل الوضوح، خاصة فيما يخص إهمال وإغفال (شرط الواقف)، وجد تفاعلاً بالحسرة والأسف النبيل من عدة جهات وشخصيات، من بينهم مسؤولون بمؤسسات سيادية ومكاتب قيادية، كما وجد ذات التفاعل من عدد كبير من رجال الدعوة والدين من (هيئة العلماء)، وشخصيات قانونية في التشريع والفقه، وخبراء في مجال الاقتصاد والتنمية والتعمير، ومن رجال أعمال كُثر، غالبيتهم من أحفاد البيوت أو العائلات الوقفية مثل آل “عبدالمنعم محمد” وآل “شروني” وآل “الساحلي”. كما وجد اهتمام عدد كبير من القيادات التنفيذية السابقة التي عملت في الشؤون الدينية والأوقاف والزكاة ودار الإفتاء في (الزمن العديل)، وبعضهم موجود خارج البلاد، ولكن المؤسف والمحزن حقاً أن كل ما ذكرته من أحوال بائسة تعيشها الأوقاف وتحسرت عليها لم يحرك ساكناً في إدارات الأوقاف الولائية، ولا حياة لمن تنادي، ظلوا هكذا يمارسون صمت القبور، وكأن الأمر لا يعنيهم في شيء، لم يظهر منهم أحد ينفي ما ذكرت أو يوضح أسباب التردي والحال المائل وضياع أموال وحقوق الشرائح المستهدفة بريع الوقف.
آخر الكلام بس والسلام:
في الآخر أقول، وبما أن كل ما ذكرته عن الإهمال في قطاع الأوقاف وتعطيل شرط الواقف يهدف إلى تنبيه الجهات المسؤولة للمراجعة والإصلاح ومن ثم التحسين والتطوير، ولكن يبدو واضحاً أن المسؤولين عن الأوقاف يعيشون في عوالم أخرى بعيداً عن مسؤولياتهم المباشرة، متجاهلين بذلك الحديث النبوي الشريف (عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته”)، و(حديث الذي ينطق عن الهوى) أكد على مبدأ المسؤولية الإدارية والقيادية الشاملة في دين الإسلام، وكيف يكون كل فرد منا في موقعه القيادي “راعياً واعياً”، محققاً للأمانة والعدالة وحفظ المال العام.
أخيراً يا رعاة (الأوقاف)، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وتذكروا يوم الحساب، وتدبروا قوله تعالى وقوله الحق: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ}. والله العظيم أتعجب في أمر أناس في زماننا هذا يحسبون كل تجاوز وكل تقصير وكل تفريط يحسبونه هيناً؟!
(وهو عند الله عظيم).
همسة المدينة:
يتهامس ظرفاء المدينة بحكاية غفلة (مدير عام في عسل الحوافز والبدلات وزيادة المرتبات وتعيين وتمكين المقربين والمقربات)، وفي غمرة نهمه الواضح الفاضح نسي أنه مسؤول أمام الله يوم الموقف العظيم عن كل (المحرومين)، (أهل هذا الخير الذي غرق فيه الغير).