حسين خوجلي يكتب: خطبة السيف والكلاش
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أشياء للذكرى
خطبة السيف والكلاش
مما كان يحفظه الطلاب الحربين في مسجد وادي سيدنا مدخل عرفاني في أصول الحرب ويكاد يحفظه الجميع (يسألونك عن تدبير الحرب) إذ يقول الإمام الراتب في صلاة الجمعة ويحافظ عليها بالتكرار:
اعلموا أن الناس قد وضعوا في تدبير الحروب كتبًا ورتبوا فيها ترتيبا، ولنصف منها أشياء نبدأ منها بما ذكره الله تعالى في القرآن العظيم. قال الله جل وعلا: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}. فقوله تعالى {مَا اسْتَطَعْتُمْ} مشتمل على كل ما هو مقدور البشر من العدة والآلة والحيلة. وفسّر النبيّ صلى الله عليه وسلم القوة حين مر على أناس يرمون، فقال: (ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي)
وأفضل العدة أن تقدم بين يدي اللقاء عملا صالحا من صدقة وصيام ورد المظالم وصلة الرحم ودعاء مخلص، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر.
الكرماء والبخلاء
قال أعرابي: وعد الكريم نقد وتعجيل ووعد اللئيم مطل وتعليل.
حاشية:
وكان أصحاب الحاجة يوصون بعضهم بعضاً إذا وقفوا في وجه لئيم أن يلحوا ولا يفارقوا حتى يُمنحوا أو يفارقوا حين ييأسوا. أما الكريم فإن الناس يتمهلون عنده فكلما طال الإمهال زاد الإجزال.
جرير هذا الإسم الخطير
وجرير بن يزيد هذا عالم وفقيه وصاحب فتوى ورشد وهو غير جرير الشاعر وكل منها مُجيد في فنه وقد قيل أن:
بعض الخلفاء قال لجرير بن يزيد: إني قد أعددتك لأمر. قال: يا أمير المؤمنين. إن الله تعالى قد أعد لك مني قلباً معقوداً بنصحيتك، ويداً مبسوطة لطاعتك، وسيفاً مجرداً على عدوك.
وأنشد الأصمعي:
النصح أرخص ما باع الرجال فلا
تردد على ناصح نصحاً ولا تلم
إنّ النصائح لا تخفى مناهلها
على الرجال ذوي الألباب والفهم
وصفة الأصدقاء
ولو حُق لي أن أكتب في مدخل كل مدرسة وجامعة وناد يرتاده الشبيبة والطلاب، لكتبت هذه الروشتة لاستقطاب الإخوة والأصدقاء. فقد سُئل خالد بن صفوان يوماً: أي إخوانك أحب إليك؟ قال:
الذي يسد خِلتي ويغفر زلتي ويقيل عثرتي. وقيل: من لا يؤاخي إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كل ذنب ضاع عتبه، وكثر تعبه.
قال الشاعر:
ومن لم يغمض عينه عن صديقه
وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
حاشية:
ومن الذين كتبوا في هذا الباب وأجادوا في فن الإغضاء ما كتبه الأعمي البصير الفصيح القتيل بشار بن برد إذ يقول في قصيدته الشهيرة:
إِذا كُنتَ في كُلِّ الأُمُورِ مُعاتِباً
صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
فَعِش واحِداً أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ
مُقارف ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُه
إِذا أَنتَ لَم تَشرَب مِراراً عَلى القَذى
ظَمِئتَ وَأَيُّ الناسِ تَصفو مَشارِبُه
رحم الله أبو الدرداء وأقال عثرة (أبو الدرداق)
دائماً يستدل أهل العلم والسير والتصوف بتأخرإسلام بعض الكبار وصدق إيمانهم بسيرة أبو الدرداء حكيم هذه الأمة.
وهو أبو الدرداء الأنصاري هو صحابي جليل، وفقيه وقاضٍ، وأحد أبرز قراء القرآن الكريم ورواة الحديث النبوي، ولقّبه النبي صلي الله عليه وسلم بحكيم هذه الأمة.
واسمه عويمر بن زيد بن قيس الخزرجي الأنصاري، وكنيته: أبو الدرداء، نسبة إلى ابنته الدرداء، وأخوه لأمه: الصحابي عبد الله بن رواحة.
أسلم متأخراً يوم معركة بدر، وكان آخر من أسلم من أهله، دافع ببسالة عن النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة أحد وشهد ما بعدها.
كان تاجراً قبل الإسلام، ثم ترك التجارة ليتفرغ تماماً للعبادة والقرآن فقد كان أحد الأربعة من الأنصار الذين جمعوا القرآن كاملاً في حياة النبي صلي الله عليه وسلم.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إن شئتم لأنصحن لكم إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله تعالى إلى عباده ويعملون في الأرض نصحا.
ولورقة بن نوفل:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم
إنّي النذير فلا يغرركم أحد
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته
إلا الإله ويردى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما ذخائره
والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
حاشية:
ومن لطائف الأسماء عند السودانيين يحكى أن أحد الحَفَظة السودانيين كان معجباً بسيرة أبو الدرداء رضي الله عنه وكان مقيماً بإحدى القرى السودانية بالريف وقد سمى ابنه أبو الدرداء وسافر إلى السعودية: وعندما عاد وجدت القرية تناديه (أبو الدرداق). ونصيحتي لأهل السودان أن لا يسموا اسماً إلا ما اعتاده لسان أهل السودان من الرجال والنساء.
توقع الشهادة
ومن أدب الكاريكاتير الشعري الذي جاد به وأجاد الشاعر الثائر الراحل أحمد مطر هذه الطقطوقة المعبرة الصغيرة الأحرف الكبيرة الدلالات في عالم عربي لا يحتفى بالمواهب والموهوبين يقول مطر:
في ساعة الولادة
امسكني الطبيب بالمقلوب
لكنني صرخت فوق العادة
رفضت أن أجيء للحياة بالمقلوب
فردني حراً إلى والدتي
قال لها تقبلي العزاء يا سيدتي
هذا فتى موهوب
مصيره في صمته مكتوب
و قبل أن يغادر العيادة
قبلني ثم بكى ووقع الشهادة