
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (الجهة الثالثة)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(الجهة الثالثة)
وقبل معركة صفين يتفق الجيشان على وقف القتال.
ويتوقفون… وتحت جنح الليل يفاجأ جيش معاوية بهجوم وقتل، ويعتقدون أن جيش علي يغدر بهم.
وفي الساعة ذاتها يفاجأ جيش علي بهجوم، ويعتقدون أن جيش معاوية يغدر بهم… والحرب تستمر.
والجهة الثالثة تحصل على ما تريد.
الأسلوب القديم هذا يتكرر، وآخره ما انطلق في الأسابيع الأخيرة بين مصر والسودان.
والجهة الثالثة تطلق فيديوهات لمصريين فيها أقذع الشتائم للسودانيين، وتطلق فيديوهات لسودانيين فيها أقذع الشتائم للمصريين.
وأسلوب (القطيع) يعمل، فالجمهور السوداني، مثل كل جمهور، يغضب وينطلق ضد المصريين.
وجمهور مصر يغضب وينطلق ضد السودانيين.
ولا أحد يخطر له أن الأمر مدبر من جهة ثالثة.
واتهام فيديوهات مصرية للسودانيين بأنهم شمتوا بالمصريين لما فقدوا مباراة الأرجنتين، اتهامات تستخدم الأسلوب الذي يقول إن الجمهور الهائج لا عقل له.
يبقى السؤال الذي يقول: لماذا أدارت الجهات الأمنية وجهها؟
……
وأسلوب إدارة القطيع، نموذجه الأعظم كان يطل في السودان.
وأيام عبود، تقتحم الشرطة جامعة الخرطوم، ويقع اشتباك يُقتل فيه الطالب قرشي.
والقتل هذا يتنامى خبره ويصنع ثورة أكتوبر.
وزعموا أن حسن بشير نصر، الذي كان خارج البلاد، يقول:
“الثورة لم تقع إلا لسوء إدارة الحادث.”
قال:
“لو كنت أنا في البلد عند مقتل الطالب، لجعلت الضابط الذي هاجم الجامعة يُعتقل، وجعلت الصحف تكيل له الهجوم، وتضرب الطبل بعد اعتقاله، ولكنت قد جعلت الصحف تطلق سيلاً من الحديث عن مباراة للهلال والمريخ، وسيلاً من تحدي الناديين، وجعلت الصحف والإذاعة والشاشة تتفرغ للمباراة والمحللين، ولجعلت المباراة تذهب بعقل الشارع، ولجعلت المسرح يطلق حفلاً غنائياً فيه كل الفنانين.
وفي الصباح يكون الشارع قد نسي قرشي.”
والحكاية، وقعت أم لم تقع، هي نموذج لأسلوب قيادة الجماهير.
…..
ويبقى أن الأسلوب هذا، أسلوب قيادة الماعز من أذنيها، كانت حكايته الأشهر هي:
من عقابيل حرب معاوية وعلي أن معاوية يأمر أئمة المساجد أن يلعنوا علي بن أبي طالب، وأن يجعلوا الناس يشتمون أبا تراب، وأن تكون كلمة أبو تراب هي الشتم الأعظم.
وأبو تراب، حكايتها هي أن علي بن أبي طالب يغاضب فاطمة، فيرقد في المسجد، ويصيب التراب جنبه، وأن النبي ﷺ يوقظه ويمسح التراب عنه وهو يقول:
“قم يا أبا تراب.”
والكلمة لفظ متودد لطيف، لكن الشعب يسمع أنها شتيمة، ويظل يشتم علياً بها.
وقيادة الجماهير في التاريخ تستخدم حقيقة أن الجمهور يمشي بعقل القطيع، وفي القطيع الشاة التي تقود تسوق القطيع إلى الهاوية، والقطيع يرى الدفعة الأولى تسقط في الهاوية، والثانية، والعاشرة، لكنه يظل يندفع.
……
ويبقى من أسلوب القطيع أن جندياً من المشتركة في الخرطوم يقتل مواطناً في أم بدة، وجندياً يطارد مواطناً أعزل في جاكسون، وثالثاً يقتحم بيتاً في الحاج يوسف، عندها يصرخ الناس في هياج ضد المشتركة.
والصراخ هذا نصف مصيب، ونصف مخطئ.
والصراخ هذا يدين المشتركة إن كانت المشتركة قد اجتمعت وقررت فعل هذه الجرائم.
والمشتركة نصف مدانة إن هي لم تعتقل وتحاكم عساكرها هؤلاء.
لكن…
من يضمن أن الجندي الذي يقتل هنا، والآخر الذي يقتحم هناك، بعيدون عن قروش الإمارات… ومخدراتها؟
…..
الكوشة السودانية مردومة بكل شيء.