حسين خوجلي يكتب: أيام الله السبعة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

أيام الله السبعة

 

1
وجد أحد رؤساء الوزارات في السودان موظفاً بمجلس الوزراء يضع لوحة ببرواز مُذَهب أنيق ووضعها في قلب الصالة المؤدية لمكتب رئيس الوزراء وكانت العبارة التي (تَوَهَطّت) في قلب اللوحة تقول:
إن المسؤول الأول الذي يختزن في قلبه شخصيتين الأولى معنية بتمثل التقوى وادعاء التجرد أمام الناس والثانية لا تعنيها إلا أساليب المكر والخبث والخِداع فاحذروا الأول والأخير فذو لوجهين لا يكون عند الله وجيهاً.
قيل أن الوزير وقف أمام اللوحة طويلاً قبل أن يذهب إلى مكتبه فسارع إليه سكرتيره قائلاً: نرجو أن تسمح لنا بإزالتها يا سيادة الرئيس فرد عليه باستغراب: دعها فأنا لست المعني لا بالشعار ولا بالمقولة، فصار تعليقه الشجاع حديث المجالس.

2

أرجو ان لا ينسى الفريق ميرغني إدريس في غمرة اهتمامه بصناعة التسليح الذي صنع نسبة مقدرة من الانتصارات، تلك التي يعيشها جيشنا وشعبنا هذه الأيام. نعم أرجو أن لا ينسى سلاح (التركتر) الأخطر فجيش الفلاحين هو وحده الذي يصنع السودان الأخضر والانتصار المُستدام الكبير. وليكن الشعار المتفق عليه أن شعب لا يملك قوته وسلاحه لا حظ له في البقاء في هذه الغابة التي تضج بوحوش الشعوب المتنمرة.
وقديماً قال زهير:
وَمَن لا يَذُد عَن حَوضِهِ (بِسِلاحِهِ)
يُهَدَّم وَمَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ

3

وفي الشعر والمأثور من الحديث والنصيحة والحكمة فقد روى أحد الشباب هذا الاعتراف اللطيف وكان يومها عريساً قال: تزوجت ابنة عم لي وكانت زميلة لي بالجامعة وكنت سعيداً بها وكانت سعيدة بي.
وكنت قبل أن أنتقل إلى داري مقيماً بدار عمي، وقد كان معلماً ملتزماً وصارماً في الحق مع رقة وحسن خُلق في التعامل، وكانت في خَلّة لا يعلمها وهي أنني كنت أُدخن سراً قبل أن يعلم. وقد لحِظ أنني أخرج متسللاً خارج المنزل وأعود، وحينما يحين موعد السجارة الأخرى أعاود التسلل وكان عمي متعجباً لذلك قبل أن يسألني لأدب فيه ودون ترتيب خرج لصلاة المغرب مصادفة وأنا أمارس التدخين في حذر وأداعب السيجارة في خفية باختصار تم ضبطي متلبساً فرفع صوته بالبيت الشهير:
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ
وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ
ومنذ ذلك اليوم آليت على نفسي أن أُقلع عن التدخين وأن أحفظ عن ظهر معلقة زهير تلك الرائعة التي حين سُئل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان صاحب دراية بالشعر، من هو أشعر العرب يا أمير المؤمنين أجاب مبتسماً:
(صاحب ومن لم) ومن لم هذه تسع أبيات من النصائح والحكم التي وثقها زهير في معلقته.

4

تُرى هل مرت نصيحة المفكر أنطونيو غرامشي علي السيد وزير الزراعة تلك المقولة التي يحفظها كل وزراء الزراعة الأوربييون، وهو ينتجون ويسدون جوعة جماهيرهم ويصدرون.
يقول غرامشي: (لك يكون لك رأي حتى يكون لك رغيفك الخاص، وما دون ذلك فهو مجرد صدى لرأي من يطعمك).
والآن جاء دور وزير الزراعة السوداني ليحفظها ويطبقها وهو يعلم قبل غيره أن الجماهير باتت (القوا) ونامت على (الطوى).
وقد اضطر جوعى أهل السودان أن يحفظوا قصيدة الحطيئة الشهيرة في وصف المسغبة وأهلها تلك التي كادوا أن يجعلوا لحناً:
وَطاوي ثَلاثٍ عاصِبِ البَطنِ مُرمِلٍ
بِتيهاءَ لَم يَعرِف بِها ساكِنٌ رَسما
أَخي جَفوَةٍ فيهِ مِنَ الإِنسِ وَحشَةٌ
يَرى البُؤسَ فيها مِن شَراسَتِهِ نُعمى
وَأَفرَدَ في شِعبٍ عَجُوزاً إِزائَها
ثَلاثَةُ أَشباحٍ تَخالُهُمُ بَهما

5

هنالك فرق بين تعليم القيم وغرسها في الصغار، والغرس أبلغ من التعلم لأنه يبدأ بالبذرة التي تحتاج للرعاية والري حتى تُزهر وتثمر.
وهنالك ثلاثية وصى عليها أهل التربية المؤمنين بالقيم والثوابت وأولها غرس فن الاعتذارعند الخطأ فإنه مدخل للنقد الذاتي والسلوك الرصين. ثم إشاعة المحبة للغير فالمحبة غرس من غير ثماره له فاعلية قتل شجيرات الكراهية السامة في المجتمع، ثم الشكر والذي لا يشكر الناس لا يشكر خالق الناس، فإذا اجتمعت هذه الثلاثية في صبي فإن الشعب موعود بجيل مُحصنٌ بالشجاعة والشرف والابتكار.

6

بعد نكسة يونيو 1967 دُعي العالم التوحيدي والصالح والمجاهد محمد الغزالي رحمه الله لاجتماع سموه غداء عمل لمناقشة آثار النكسة ودور النخب في مواجهتها. وعندما دخل الرجل وجد أن الشخصيات المدعوة قد تحلقت حول مآكل فاخرة من أطايب الطعام والشراب فخرج عليه الرحمة مغادراً ومغاضباً وأرسل عبارته الصغيرة الكبير التي صارت عنوناً لكثير من المقالات:
(الرجال يعرفون أيام الشدائد لا أيام الموائد).

7

الكثير من الأفكار الموجبة تُرهق القائلين لها والفاعلين لها لأن الأوائل يقرأون ويبحثون ويسهرون الليالي في التحصيل ولأن الفاعلين يحولونها لأفكار لها سيقان وجداولاً من الماء والصحة والتعليم وما ينفع الناس.
أما أصحاب السلوك النظري العقيم الخالي من المعلومات فإنه السلاح الأمضى للكسالى. والعالم صاحب العقل الجبار والنظرية النسبية أنشتاين وأخواتها يقول:
(ابق بعيداً عن أصحاب العقول السلبية فإنهم يخترعون مشكلة لكل حل).