السفير د. معاوية التوم: مجلس الأمن يجيد توصيف مأساة السودان أكثر من إنهائها
الخبير العلاقات الدولية والدبلوماسية السفير د. معاوية التوم ل (ألوان):
مجلس الأمن يجيد توصيف مأساة السودان أكثر من إنهائها
تدفق المرتزقة الذين يقاتلون إلى جانب المليشيا يهدد الاقليم
الإمارات تمثل الداعم الرئيس للمليشيا
حوار: مجدي العجب
في ظل استمرار الحرب في السودان، وتزايد التحذيرات الأممية من تفاقم الكارثة الإنسانية، يواصل مجلس الأمن عقد جلساته الدورية دون أن ينجح في بلورة خطوات عملية تنهي الحرب التي شنتها مليشيا الجنجويد بدعم خارجي على الدولة السودانية. وفي هذا الحوار، يقرأ الخبير العلاقات الدولية والدبلوماسية السفير د. معاوية التوم مخرجات الجلسة الأخيرة للمجلس، ويحلل أسباب عجز المجتمع الدولي عن وقف الحرب، ورؤيته لدور التدخلات الخارجية، وفرص الوصول إلى تسوية سياسية تعيد الأمن والاستقرار إلى السودان.
كيف تقرأون مخرجات الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن بشأن السودان؟
لم تحمل الجلسة جديدًا يغير مسار الأزمة. فقد تكررت التحذيرات الأممية بشأن تدهور الأوضاع الإنسانية، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، لكن المجلس لم يتخذ أي إجراءات عملية أو قرارات ملزمة بسبب استمرار الانقسام بين أعضائه الدائمين. السودان لا يحتاج إلى بيانات جديدة، وإنما إلى إرادة سياسية توقف الحرب.
لماذا أخفق مجلس الأمن في الانتقال من التحذير إلى الفعل؟
المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في غياب التوافق السياسي. المجلس يعلم حجم المأساة التي خلفتها الحرب، ويتلقى تقارير دورية عن الانتهاكات الجسيمة للتمرد، لكنه يعجز عن اتخاذ قرارات حاسمة بسبب تضارب مصالح القوى الكبرى. لذلك أصبح أكثر قدرة على توصيف الأزمة من امتلاك الإرادة لإنهائها، وهو ما جعل المدنيين السودانيين يدفعون الثمن الأكبر دون تجسيد لمضمون حماية المدنيين التي ظل ينادي بها.
هل فقدت بيانات القلق الأممية قيمتها؟
هذه طريقة نمطية في التعبير، وليست المشكلة في لغة القلق، وإنما في غياب ما يتبعها من إجراءات نافذة بحق المجرمين والرعاة الممولين للحرب. أصبح المشهد يتكرر بصورة مؤلمة. تحذير من كارثة، ثم وقوعها، ثم العودة لتوثيقها. وبين التحذير والتوثيق تتسع دائرة المعاناة في كردفان ودارفور وغيرها من مناطق البلاد، بينما يبقى المجتمع الدولي عاجزًا عن كسر هذه الحلقة.
ما أثر استمرار الحرب على السودان؟
كل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيدًا من النزوح والدمار والإفقار وانهيار الخدمات الأساسية. كما أن استمرار العمليات العسكرية يهدد الأمن الإقليمي، ويخلق بيئة خصبة لانتشار السلاح والجريمة المنظمة وتدفق المرتزقة الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب مليشيا الجنجويد، الأمر الذي يزيد الأزمة تعقيدًا ويطيل أمدها.
تحدثتم عن وجود دعم خارجي لمليشيا الجنجويد، كيف تنظرون إلى هذه القضية؟
لا يمكن، من وجهة نظري، فصل استمرار الحرب عن الدعم الخارجي الذي تتلقاه مليشيا الجنجويد. فهذه الحرب لم تعد شأنًا داخليًا فحسب، وإنما أصبحت ساحة تتداخل فيها مصالح إقليمية ومن خارج الإقليم أيضا. وقد أشارت تقارير دولية وأممية كما هو الحال في تقرير فريق لجنة الخبراء ومجلس حقوق الإنسان ومؤسسات حقوقية وعدلية وازنة إلى استمرار تدفق السلاح إلى المليشيا، رغم الدعوات الدولية لوقف ذلك، وهو ما أسهم في إطالة أمد الحرب وزيادة معاناة المدنيين.
هناك اتهامات متكررة للإمارات بدعم المليشيا، كيف تنظرون إليها؟
السودان أعلن موقفه الرسمي بوضوح، والعالم يعلم أن دولة الإمارات تمثل الداعم الرئيس لمليشيا الجنجويد، وقد عرض هذا الموقف في المحافل الإقليمية والدولية، مستندًا، بحسب الرؤية الرسمية السودانية، إلى شواهد وأدلة تؤكد استمرار هذا الدعم. ومن وجهة نظري، فإن أي دعم سياسي أو مالي أو عسكري لمليشيا مسلحة داخل دولة ذات سيادة يسهم في إطالة الحرب ويضاعف المأساة الإنسانية، ويستوجب موقفًا دوليًا موحدا و أكثر حزمًا لوقفه.
ما المطلوب من المجتمع الدولي اليوم؟
المطلوب هو الانتقال من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة الفعل. يجب ممارسة ضغوط حقيقية على كل من يدعم هذه المليشيا بالسلاح أو المال أو الغطاء السياسي، والعمل على وقف التدخلات الخارجية التي تغذي الصراع، مع دعم سيادة البلاد ومؤسسات الدولة السودانية القائمة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بعيدًا عن أي استغلال.
هل ترون أن الحل العسكري وحده كافٍ؟
كل الحروب تنتهي في النهاية إلى شكل من الحلول أو التسوية السياسية، لكن لا يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح ما دام الجانب غير معرف ولا مساءلة او عقوبات رادعة، وأن السلاح يتدفق إلى مليشيا الجنجويد وما دامت التدخلات الخارجية مستمرة. لذلك فإن أي تسوية يجب أن تقوم على احترام سيادة السودان والسردية الوطنية التي يعرف بها الحزب وآثارها، ووقف دعم المليشيات، ثم إطلاق حوار سوداني– سوداني يحفظ وحدة الدولة واستقرارها.
ثم ماذا؟
السودان لا يحتاج إلى مزيد من جلسات الاستماع أو بيانات القلق، بل إلى إرادة دولية توقف الحرب وتجفف مصادر تمويلها وتسليحها. إن استمرار الشلل داخل مجلس الأمن يطرح أسئلة حقيقية حول قدرة النظام الدولي على التعامل مع الأزمات عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى. ولن يتحقق السلام ما لم تتوقف التدخلات الخارجية، وفي مقدمتها وقف الدعم الذي تقدمه الامارات لمليشيا الجنجويد، لأن وقف هذا الدعم يمثل خطوة أساسية نحو إنهاء الحرب وتهيئة الطريق أمام سلام دائم.