
حسن بشير يكتب: الاستثمار بين القطاعين العام والخاص… هل يخفف معاناة المواطن؟
ضربة جزاء
حسن بشير
الاستثمار بين القطاعين العام والخاص… هل يخفف معاناة المواطن؟
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها السودان، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، أصبح البحث عن حلول اقتصادية عملية ضرورة لا تحتمل التأجيل. ومن بين هذه الحلول يبرز الاستثمار المشترك بين القطاعين العام والخاص باعتباره أحد الخيارات التي يمكن أن تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد إذا أُحسن التخطيط له والتنفيذ السليم.
الدولة تمتلك الأراضي والموارد الطبيعية والتشريعات، بينما يمتلك القطاع الخاص الخبرة والتمويل وسرعة الإنجاز. وعندما تتلاقى هذه الإمكانات في شراكة تقوم على الشفافية والمساءلة، فإن النتائج قد تكون كبيرة، ليس على مستوى الاقتصاد فحسب، بل على مستوى حياة المواطن اليومية.
لكن السؤال الذي يطرحه الجميع هو: هل يشعر المواطن بثمار هذه الاستثمارات؟ أم أنها تظل مجرد أرقام وإعلانات لا تنعكس على الأسواق ولا على موائد الأسر؟
الحقيقة أن المواطن لا ينتظر مؤتمرات أو تصريحات، بل ينتظر انخفاضًا في أسعار السلع، وتوفير فرص عمل للشباب، وتحسنًا في الخدمات الأساسية، واستقرارًا في الأسواق. فإذا لم تحقق الاستثمارات هذه الأهداف، فإنها تكون قد ابتعدت عن الغاية الأساسية للتنمية.
إن الاستثمار الحقيقي هو الذي يوجه نحو الزراعة والصناعة والإنتاج الحيواني والتعدين وفق ضوابط واضحة، إضافة إلى مشروعات الكهرباء والمياه والطرق. فهذه القطاعات تمثل أساس الاقتصاد، وهي القادرة على زيادة الإنتاج وتقليل تكلفة السلع، مما ينعكس تدريجيًا على الأسعار ويعزز الأمن الغذائي.
كما أن التوسع في الإنتاج المحلي يقلل الحاجة إلى الاستيراد، ويحافظ على النقد الأجنبي، ويخلق قيمة مضافة داخل البلاد، وهو ما يدعم استقرار الاقتصاد على المدى الطويل.
ولا يمكن لأي استثمار أن ينجح في ظل غياب الشفافية أو ضعف الرقابة أو تعقيد الإجراءات. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة مستقرة، كما يحتاج المواطن إلى ضمان أن تكون هذه الاستثمارات في خدمة التنمية، وأن تُدار بكفاءة وعدالة، وأن تمنع أي ممارسات احتكارية قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بدلًا من انخفاضها.
إن جذب رؤوس الأموال وحده ليس كافيًا، بل الأهم هو نوعية الاستثمار، ومدى ارتباطه باحتياجات المجتمع، وقدرته على توفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وزيادة الإنتاج. فهذه هي المؤشرات الحقيقية لنجاح أي سياسة اقتصادية.
السودان يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون من الدول الرائدة في الإنتاج الزراعي والتعدين والثروة الحيوانية، لكن هذه الموارد تحتاج إلى إدارة رشيدة، وشراكات تقوم على الثقة، وتوازن بين تحقيق العائد الاقتصادي وحماية المصلحة العامة.
ويبقى المواطن هو المعيار الحقيقي لنجاح أي مشروع استثماري. فإذا وجد فرصة عمل كريمة، واشترى احتياجاته بأسعار معقولة، وتحسنت الخدمات التي يتلقاها، عندها فقط يمكن القول إن الاستثمار أدى رسالته.
إن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من الحديث عن الاستثمار إلى تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع. فالمواطن لا يبحث عن الشعارات، وإنما عن أثر يلمسه في حياته اليومية. وكل استثمار يحقق الإنتاج، ويوفر الوظائف، ويدعم استقرار الأسعار، ويعزز التنمية، هو استثمار يستحق الدعم.
ضربة جزاء:
الاستثمار الناجح لا يُقاس بحجم الأموال التي تدخل البلاد، بل بحجم الأمل الذي يدخله إلى بيوت المواطنين. فحين تتحول الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى حياة كريمة، عندها فقط تكون التنمية قد وصلت إلى هدفها الحقيقي.