د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: الإنسان مورد السودان

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

الإنسان مورد السودان

تنتهي الحروب، وتبدأ معركة أخرى أكثر تعقيدًا وأعمق أثرًا، هي معركة البناء والإنتاج. وإذا كانت البنادق قد تهدم المدن في سنوات قليلة، فإن إعادة إعمار الأوطان تحتاج إلى إرادة وطنية، وعقول مبدعة، وأيدٍ منتجة تؤمن بأن مستقبل السودان لا يُصنع بالانتظار، وإنما بالعمل.
لقد خلفت الحرب السودانية خسائر جسيمة في البنية التحتية، والإنتاج الزراعي والصناعي، والتجارة، وسوق العمل، لكنها لم تستطع أن تدمر أهم مورد يملكه السودان، وهو الإنسان. فالإنسان السوداني ظل عبر تاريخه نموذجًا للصبر والكفاح والقدرة على التكيف مع أصعب الظروف، وهي صفات ينبغي أن تتحول في مرحلة ما بعد الحرب إلى قوة إنتاجية تقود نهضة اقتصادية شاملة.
هنالك سؤال قلق يتبادر الي اذهان الكثيرين وهو ماذا فقد السودان؟ ولكن هنالك سؤال هام وملح في اعتقادي هو كيف نستثمر ما بقي لدينا من إمكانات؟ والإجابة تبدأ بإعادة صياغة العقل الاقتصادي للمجتمع، والانتقال من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج، ومن انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة، ومن الاعتماد على الدولة وحدها إلى المبادرة الفردية والمجتمعية.
ويمتلك السودان من المقومات ما يجعله مؤهلًا ليكون إحدى القوى الاقتصادية الكبرى في المنطقة. فالأراضي الزراعية الشاسعة، والثروات الحيوانية، والموارد المعدنية، والمياه، والموقع الجغرافي المتميز، والتنوع البيئي، والطاقات البشرية الشابة، ليست مجرد أرقام في التقارير، هي ثروة استراتيجية إذا أحسن استثمارها وفق رؤية علمية وإدارة رشيدة.
إن المرحلة المقبلة تفرض إعادة الاعتبار للإنتاج الزراعي باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق الأمن الغذائي وزيادة الصادرات، مع تطوير الصناعات التحويلية التي تضيف قيمة للمنتجات الوطنية بدل تصديرها خامًا. كما أن الصناعات الصغيرة والمتوسطة، والحرف التقليدية، وريادة الأعمال، والاقتصاد الرقمي، كلها قطاعات قادرة على توفير آلاف فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد بسرعة وكفاءة.
ولن يتحقق ذلك من دون بناء الإنسان المنتج. فالاقتصاد يبدأ من الفرد؛ من انضباطه، وإتقانه، واحترامه للوقت، ورغبته في التعلم، واستعداده لاكتساب مهارات جديدة. إن الأمم التي نهضت بعد الحروب لم تعتمد على الموارد وحدها، لكنها اعتمدت على تغيير ثقافة المجتمع، حتى أصبح العمل قيمة، والإبداع أسلوب حياة، والإنتاج مسؤولية وطنية.
وهنا يبرز دور الدولة في تهيئة البيئة المناسبة عبر استقرار السياسات الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار، وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة، وتطوير التعليم الفني والتقني، وربط الجامعات باحتياجات سوق العمل، وتبسيط الإجراءات أمام المنتجين ورواد الأعمال. وفي المقابل، يقع على المجتمع مسؤولية نشر ثقافة الاعتماد على الذات، واحترام أصحاب المهن، وتشجيع الشباب على المبادرة بدلاً من انتظار الحلول الجاهزة.
كما أن الإعلام الوطني مطالب بأن يتحول إلى شريك في معركة التنمية، من خلال إبراز قصص النجاح، وتسليط الضوء على المبادرات الإنتاجية، ونشر الوعي الاقتصادي، وغرس الثقة في قدرة السودانيين على النهوض من جديد. فالكلمة الواعية قد تزرع الأمل، والأمل هو أول استثمار في طريق التعافي.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الأزمات الكبرى كثيرًا ما تتحول إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل عندما تتوافر القيادة الرشيدة، والرؤية الواضحة، والإرادة الشعبية. والسودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله لذلك، لكنه يحتاج إلى أن يؤمن أبناؤه بأن كل مشروع ناجح، وكل فدان يُزرع، وكل مصنع يعود للإنتاج، وكل شاب يتقن مهنة، هو انتصار جديد للوطن.
إن اقتصاد ما بعد الحرب لن يُبنى بالمساعدات وحدها، مهما بلغ حجمها، وإنما سيُبنى بسواعد السودانيين، وبعقولهم، وبإصرارهم على تحويل الموارد إلى ثروة، والفرص إلى إنجازات، والتحديات إلى قصص نجاح.
إنها لحظة تاريخية تستدعي من الجميع أن يتبنوا شعارًا واحدًا: لن نبني السودان بالاستهلاك، وإنما بالإنتاج؛ ولن نستعيد مكانته إلا بالعمل، والإبداع، والانضباط، والإيمان بأن هذا الوطن يستحق أن نبذل من أجله أفضل ما لدينا.