حسين خوجلي يكتب: (تعال قبل السنين تجري وتعال فرِّح ليالينا)
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
(تعال قبل السنين تجري وتعال فرِّح ليالينا)
1
إياكم أن تسمحوا بتحالف الفكر مع الخطيئة ،فيخطئ من يظن أن هنالك حقٌ يتنزّل من باطل.
2
هنالك بعض العبارات التي تُشكل مفتاحاً للشخصية ، وأذكر أننا حين يُطلب منا في حصة الإنشاء التحرري أن نكتب عن شخصية ،كنا في معرفة معلوماتنا عنها نختار هذه العبارة المفتاحية.
وقد كتبت يوماً عن المجدد الوحدوي جمال الدين الأفغاني فجعلت عبارته في مدخل مقالي عنه وكانت: (هنالك قانون أزلي غير مكتوب: كلُ فرعونٍ له موعدٌ مع موساه).
3
كتبت مرة في صحيفة ألوان مقالاً أرد فيه على أحد المتطاولين على أحقية الإسلام في الحُكم والحاكمية، فنصحي الأخ الراحل والصحفي الكبير محمد صالح يعقوب أن أكتب عن الفكرة ولكنه منعني من ذكر اسم صاحب المقال المُناوئ للعقيدة باعتبار أنه (صغير) لمعنى الحقارة لا بحساب السنين، فشطبت اسمه ودافعت عن عقيدتي.
والأستاذ محمد صالح يعقوب صحفي مثقف وزاهد وصاحب اشراقات ونكته وله مخزون من العبارات الساخرة ، وفي إحدى أعداد صحيفة الصحافة التي كان يعمل بها صحفياً ومدققاً لغوياً هاجمه أحد الصحفيين من أصحاب النزق والافتراء ، فرد عليه كاتباً ( إنك ياهذا مثل صاعد الجبل يرى الناس صغاراً ويرونه صغيرا) وفي نصيحته لي قال:
الترفع عن صغار العقول هو ماسة الكرامة المخبوءة فالسمو قيمة لا يفهمها صغار النفوس والمقام.
4
بالرغم من أن الأخ الصحفي والكاتب عبدالماجد عبدالحميد كان خريجاً من كلية علمية رصينة بجامعة الخرطوم إلا أن فترة عمله معنا بصحيفة ألوان حببت إليه هذه المهنة المرهقة، وقد كان عبدالماجد مؤهلاً لها بحب ومعرفة ودأب وشجاعة تتجاوز في كثير من الأحيان الإفراط، وكان دائماً مستعداً لدفع الثمن قديماً وما زال وإن كنت أقول له ناصحاً: ترفق بك وبنا فنحن فأنا في مرحلة لم يبق في العمر ما يكفي لبدايات جديدة.
وقد سألني يوماً في أول أيام التحاقه معنا نصحية تعينه في مشواره الصحفي والإعلامي وما زلت أتذكر العبارة وبالأحرى النصحية:
(عليك أن تصمد وتتحدى بالموقف الصائب حتى لو أزعج العالم كله، فالحقيقة التي تبقى هي التي تتحدى الرغبة والرهبة وتمدُ لسانها في وجه الطُغاة).
5
في اجتماعات النقابات والإتحادات والجمعيات التي عملت بها كنت دائماً أطلب من رئيس الجلسة أن يختار شعاراً فكريا لأي موضوع قبل أن نبدأ، فإن الشعرات الفكرية تسدد الرأي وتوجهه صوب الحقيقية وتُكسب الحوار احتراما وقيمة. لقد فاجأني رئيس الجلسة أن اختار شعاراً ولم أكن متهيئاً لذلك وقد أسعفني المحفوظ مع بعض التحوير الذي لا يفسد مضمون الكلام.
(إذا استشير نفر أنت أحدهم فكن آخر من يشير فإنه أسلم لك من الصدق، وأبعد لك من الخطأ، وأمكن لك من الفكر وأقرب لك من الجزم).
6
إذا كنت في صالة الوداع والمغادرة في أي واحدة ممن مطارات الدنيا و انت في حضرة مودعين ومسافرين فعليك أن تهديهم وصفة الإمام علي كرم الله وجهه التي يتنعم بها المقيم صلة وصلاحاً ويتنعم بها المسافر سلوكاً ورفعة. وكان الشهيد بن الشهيد يقول عليهما الرضوان:
سِتٌّ مِنَ المروءة: ثلاثٌ في الحَضَر، وثلاثٌ في السَّفَر.
فالثلاث التي في الحضر:
1_تلاوة كتاب الله: والمداومة على قراءته وتدبره.
2_عمارة مساجد الله: بارتيادها، والمشاركة في بنائها أو العناية بها.
3_اتخاذ الإخوان في الله: اختيار الصحبة الصالحة التي تعين على الطاعة.
أما الثلاث التي في السفر:
1_بذل الزاد: الكرم، ومشاركة الطعام والمتاع مع الرفقاء.
2_حسن الخُلُق: معاملة المرافقين باللين، والصبر، وطيب الكلام.
3_المزاح في غير معاصي الله: الترويح عن النفس وإدخال السرور على الأصحاب بما لا يخالف الشرع.
7
المطربون السودانيون الذي يجيدون المداخل للغناء فصاحة قبل الدخول في الأغنية كُثر أشهرهم في هذا الفن والافتراع الأستاذ الموسيقار عبدالكريم الكابلي والأستاذ صاحب الصوت الطروب الطيب عبدالله وابن الجزيرة صاحب الصوت الحالم عبدالعزيز المبارك.
ومن الذين بقوا على هذا الوعد والعهد ابن كوستي وكسلا وأم درمان التاج مكي ولأن وَلَعَه بذلك الفن ما زال قائماً فإني أرسل له قصيدة ابن المعتز فهو من المشاهير في أدب البوح والاعتراف بنفثات الحب ولواعج الغرام، فإن وجد الوقت لترديدها وحِفظها فإنه يعلم العنوان، ولكن بعد يُسمعها ويرتضَيها صديق عمره إسحق الحنلقي صاحب (تعال قبل السنين تجري وتعال فرِّح ليالينا)
يقول ابن المعتز:
أَبى اللَهُ ما لِلعاشِقينَ عَزاءُ
وَما لِلمِلاحِ الغانِياتِ وَفاءُ
تَرَكنَ نُفوساً نَحوَهُنَّ صَوادِياً
مُسِرّاتِ داءٍ ما لَهُنَّ دَواءُ
يَرِدنَ حِياضَ الماءِ لا يَستَطِعنَها
وَهُنَّ إِلى بَردِ الشَرابِ ظِماءُ
وَجُنَّت بِأَطلالِ الدُجَيلِ وَمائِهِ
وَكَم طَلَلٍ مِن خَلفِهِنَّ وَماءُ
إِذا ما دَنَت مِن مَشرَعٍ قَعقَعَت لَها
عِصِيٌّ وَقامَت زَأرَةٌ وَزُقاءُ
خَليلَيَّ بِاللَهِ الَّذي أَنتُما لَهُ
فَما الحُبُّ إِلّا أَنَّةٌ وَبُكاءُ
كَما قَد أَرى قالا كَذاكَ وَرُبَّما
يَكونُ سُرورٌ في الهَوى وَشَقاءُ
لَقَد جَحَدَتني حَقَّ دَيني مَواطِلٌ
وَصَلنَ عُداةً ما لَهُنَّ أَداءُ
يُعَلِّلُني بِالوَعدِ أَدنَينَ وَقتَهُ
وَهَيهاتَ نَيلٌ بَعدَهُ وَعَطاءُ
فَدُمنَ عَلى مَنعي وَدُمتُ مُطالِباً
وَلا شَيءَ إِلّا مَوعِدٌ وَرَجاءُ
حَلَفتُ لَقَد لاقَيتُ في الحُبِّ مِنهُمُ
أَخا المَوتِ مِن داءٍ فَأَينَ دَواءُ.
