العقوبات الأمريكية .. السودان يتمسك بالاتفاقيات الدولية

العقوبات الأمريكية .. السودان يتمسك بالاتفاقيات الدولية

تقرير: مجدي العجب

حين تعجز الحجة، يتقدم سلاح العقوبات. وحين تضيق مساحات القانون الدولي، تتسع دوائر القرارات الأحادية التي تفرضها القوى الكبرى وفقًا لحساباتها السياسية، لا وفقًا لما تمليه المؤسسات الدولية أو مقتضيات العدالة. وفي عالمٍ باتت فيه المعايير تتبدل بتبدل المصالح، لم يعد مستغربًا أن تتحول الاتهامات إلى أدوات للضغط، وأن تُستبدل لغة البراهين بمنطق القوة، فتُصدر الأحكام قبل اكتمال إجراءات التقصي والتحقق. وفي هذا السياق، جاء إعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة على السودان، استنادًا إلى مزاعم تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية، ليعيد إلى الواجهة جدلًا قديمًا حول مشروعية العقوبات الأحادية، وحدود توظيف الملفات الدولية في خدمة الأجندات السياسية. فالخرطوم، التي أعلنت رفضها القاطع لهذه الإجراءات، تؤكد أنها التزمت بالتعاون مع الجهات الدولية المختصة، وعلى رأسها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وأنها طالبت بتقديم الأدلة واتباع الآليات المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية، معتبرة أن تجاوز تلك الإجراءات يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية التي تقف خلف القرار الأمريكي.
ويقرأ مراقبون هذه الخطوة في إطار أوسع يتجاوز الجوانب الفنية والقانونية، ليلامس طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية التي تعرضت، عبر عقود، لانتقادات متكررة بسبب اللجوء إلى العقوبات كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية، وما يرافق ذلك من جدل بشأن ازدواجية المعايير والانتقائية في تطبيق قواعد القانون الدولي. وبين تمسك السودان بروايته الرسمية ورفضه للاتهامات، وتمسك واشنطن بموقفها، يبقى الحديث هو ان الادارة الامريكية والعدالة أصبحت أداة إضافية في صراع الإرادات والنفوذ على الساحة الدولية

 

 

بيان الخارجية

وأصدرت وزارة الخارجية بيانا صحفيا أكدت فيه رفض السودان القاطع للعقوبات الأحادية وغير القانونية التي أعلنت الولايات المتحدة فرضها ضد السودان استناداً على مزاعم باطلة باستخدام القوات المسلحة السودانية لأسلحة كيميائية. كما أكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي مجددا التزام حكومة السودان بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، واستمرارها في التعاون مع المنظمات الدولية المختصة، وعلى رأسها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وأوضح البيان أن الحكومة السودانية كانت قد دحضت هذه الإدعاءات، التي تفتقد لأي أساس، منذ إثارتها إعلاميا منسوبة لمصادر مجهولة.
وأكدت الحكومة إستمرار التزامها الكامل بأحكام اتفاقية حظر استخدام وإنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائية وتدميرها، ووفاءها التام بالالتزامات الناشئة عن الاتفاقية، بما في ذلك تقديم الإخطارات الدورية ذات الصلة، وعدم إنتاج أو امتلاك أو استخدام الأسلحة الكيميائية، خاصة وأنها تحظى بعضوية المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وأشار البيان أن حكومة السودان التزمت كذلك بالتعاون والانخراط الإيجابي مع حكومة الولايات المتحدة لاستقصاء أي شكوك أو مزاعم في هذا الخصوص، باتباع الخطوات الفنية والإجرائية اللازمة للتحقق من صحة ما أثير من اتهامات. غير أن الولايات المتحدة لم تكتف فقط بعدم تقديم أي أدلة يعتد بها، بل تجاهلت كل الآليات والإجراءات الفنية المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لتصدر قرار فرض العقوبات على السودان.
وأكد البيان أن كل ذلك يدل على أن دوافع هذه العقوبات سياسية محضة، ولا تعبر عن شواغل حقيقية بشأن منع استخدام الأسلحة الكيميائية، مما يعيد للأذهان سوابق استخدام الولايات المتحدة لادعاءات استخدام الأسلحة المحظورة لأهداف سياسية تخصها.
ودعت الحكومة الولايات المتحدة لاتباع النظم والقوانين المعمول بها في مثل هذه الحالات، ومطالبتها بالوفاء بما التزمت به ثنائياً مع حكومة السودان بتقديم الأدلة التي زعمت امتلاكها في هذا الملف.

موقف سيادي

ويقول الصحافي والمحلل السياسي عاصم البلال الطيب أن بيان وزارة الخارجية السودانية جاء معبرًا عن موقف سيادي يستند إلى قواعد القانون الدولي، إذ رفض بوضوح العقوبات الأحادية التي تُفرض خارج مظلة الشرعية الدولية، وهي سياسة أثبتت التجارب أنها لا تسهم في حل الأزمات، بل تزيد من تعقيدها وتفاقم معاناة الشعوب. وأضاف عاصم البلال في حديثه ل”ألوان” أن من حق السودان، كدولة ذات سيادة، أن يرفض أي إجراءات تقوم على مزاعم غير مثبتة أو أحكام سياسية مسبقة. كما أن البيان حمل رسالة مهمة للمجتمع الدولي، مفادها أن التعامل مع السودان ينبغي أن يقوم على الحوار والاحترام المتبادل، لا على الإملاءات والضغوط. وفي ظل التحديات التي تواجهها البلاد، فإن المطلوب هو دعم جهود استعادة الاستقرار وتعزيز مؤسسات الدولة، وليس اتخاذ قرارات من شأنها تعميق الأزمة. إن احترام سيادة الدول والاحتكام إلى القانون الدولي يظلان الأساس الأمثل لبناء علاقات دولية متوازنة وعادلة.”

المزاعم الأمريكية

ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي د. محي الدين محمد محي الدين أن المزاعم الأمريكية التي بُنيت عليها العقوبات تفتقر، حتى الآن، إلى ما قُدم للرأي العام من أدلة قاطعة يمكن أن تؤسس لإدانة دولة ذات سيادة بهذا الحجم. فمثل هذه الاتهامات الخطيرة لا ينبغي أن تُبنى على تقارير أحادية أو استنتاجات سياسية، وإنما على تحقيقات دولية مستقلة وشفافة تلتزم بمعايير القانون الدولي. وذهب في حديثه ل “ألوان” قائلا: لقد جاء بيان وزارة الخارجية السودانية متسقًا مع حق الدولة في رفض الاتهامات التي تراها غير مستندة إلى بينات كافية، كما أعاد التأكيد على التزام السودان بالاتفاقيات الدولية واستعداده للتعامل مع أي ادعاءات عبر الآليات القانونية المعترف بها، لا من خلال العقوبات الأحادية التي أصبحت، في كثير من الأحيان، أداة للضغط السياسي أكثر من كونها وسيلة لتحقيق العدالة.
إن المطلوب من المجتمع الدولي هو الاحتكام إلى الحقائق المجردة، ومنح المؤسسات المختصة الفرصة للتحقيق بعيدًا عن التسييس، لأن توجيه الاتهامات دون أدلة معلنة يضعف مصداقية المنظومة الدولية، ولا يسهم في معالجة الأزمة السودانية أو دعم فرص السلام والاستقرار.”

احترام سيادة الدول

ويبقى الرهان الحقيقي على تغليب صوت الحكمة والعدالة، بعيدًا عن منطق الضغوط والإملاءات، فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من العقوبات التي تزيد تعقيد المشهد، وإنما إلى موقف دولي متوازن يساند الاستقرار ويحترم سيادة الدول.