حسين خوجلي يكتب: قالوا وقٌلنا فما قولكم دام فضلكم؟
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
قالوا وقٌلنا فما قولكم دام فضلكم؟
1
في أول اجتماع للقانوني والشاعر والأديب والسياسي محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء ووزير الخارجية مع السفراء السودانيين، بدأ كلمته بحكمة قائلاً لهم والتي أرجو أن تكون شعاراً: هذه الأرض الآن قائمة على سياسة المبادئ والمصالح. وللأسف فإن أغلب الدول التي ستعملون فيها يجعلون مداخلهم عليكم بالمصالح فقط، فلا تتدخلوا حياة من لا يحتاجونك وتَرَفَّع في تواضع ولا تفرض نفسك كسفير على الذين يرفضونك، وابق صابراً ومتألماً حتى تترجل عن عواصمهم فلئن تبقى جريحاً في شموخ خير من أن تبقى بين ظهرانيهم متسمتعاً في مذلة.
2
صحيح أن محمود درويش الشاعر الفلسطيني المناضل الواثق الفكرة والعبارة كان يكتب للكبار، ولكن كان أيضاً له نثر ونصائح ومقالات أرجو أن يقرأها الناس كما يقرأون شعره الوضيء.
وقد أعجبني نصحه الذي يصلح مدخلاً لرياض الأطفال بل يصلح لكل الأطفال في الرياض أو في القِفار ومن أقواله: مهما قرأ الأطفال من الأخلاق الفاضلة فإنها ستظل غامضة في أذهانهم ما لم يروا في سلوكيات الكبار تجسيداً لها.
كن خير قدوة لهم بأن تُحيل الأخلاق المُجردة إلى فضائل عملية تجري بين الناس.
3
قال الصبي لابيه لم لا يمتثل الناس لأقوال الحق والحقيقة مع أنهم يسمعونها في اليوم عشرات المرات من عشرات المنابر ومن أفواه الكثير من الوعاظ والصالحين والعلماء أطرق الأب الحزين وقال: الناس يا ابني في هذه الأيام لا تُصدق صاحب الحق بل أنها تصدق الذين يجيدون التمثيل والنفاق أكثر.
4
صحيح أن الكثير من الناس رغم قرب الدم والرحم يسيئون للأقارب بالقطعة والنميمة والحسد حتى أصبح الكثير من الأهل الأخيار يقولون لأنفسهم ولأقرب الناس لهم بالجُملة اللاذعة الشهيرة (لسنا من قاطعي الرحم لكننا لا نرغب في رؤية الألسن التي أساءت لنا يوماً).
5
إني لأعجب للذي يُسيئ لأي امراة في محيطه الخاص والعام وإني لأعجب للرجل الذي لا يحترم المرأة ولا يبرها، فالنساء في الفضاء القريب والبعيد هي إما أم وأختٌ وابنةٌ في الرحم والإنسانية وإما صِلةٌ قائمة في بيوتنا بالحق والشرع.
فعليكم بالبر بالنساء فالبر بالنساء هو المدخل الحقيقي صوب الأمة الفاضلة.وكما قال الحكيم: فالرجل البار بأمه هو نفسه الحنون على اخته وهو نفسه العطوف على ابنته وهو نفسه الرفيق بزوجته، فالإنسان والإنسانية كلٌ لا يتجزأ.
6
قال لي أحد الشباب الصحفيين ما قولك في اجتماع الإجرام الدولي الأمريكي والأوروبي والإقليمي واجتماعهم في إدانة ومعاقبة السودان؟
قلت له: لا عليك يا بني فقد قرأنا قديماً في أدب الحيوان (إذا رأيت الكلاب مجتمعه فاعلم أن المُستهدف ليث هصور).
7
إني لأعجب لهذا الكبرياء المزيف في بعض أهل السياسة والاعلام والفنون هؤلاء الصِغار الذين يترفعون على مجتمعاتهم بلا موهبة وبلا سلعة يسوقونها على الآخرين، فأعود حزيناً قائلاً لنفسي: لا عزاء لنا فنحن من نصوغ غرور هؤلاء الصِغار لأننا تعلمنا في هذا الزمان البائس أن نعطي قيمة لمن لا قيمة له. فإذا وجدنا العُذر لأنفسنا فمن يجد العذر لجبران حين أطلقها دامعاً.
8
من أروع ما بقي في ذاكرتي من نصائح في حق إَنصاف الآخرين: بالله عليكم لاتحسدوا بعض الناس في نصيبهم من الفرح لمجرد أنكم لم تشاهدوا نصيبه من الأحزان.
9
إعلامي عربي ذهب يوماً للدكتور مصطفى محمود وطلب منه هامساً بأن يكتب له روشته روحانية تُعينه في دنيته وآخرته فأمسك الراحل العالم الدكتور مصطفى محمود ورقة بيضاء صغيرة وكتب عليها وعبارة أو بالأحرى وصفة (لن تكون متديناً إلا بالعلم فالله لا يُعبد بالظن والجهل والخُرافة).
10
ولأننا في المهاجر والمنافي وغراباء عن أصدقاءنا وأحبابنا وحتى عن أنفسنا، فإن الغياب يطول فينسى الناس الناس لكن تبقى أبداً عبارات التَعَزِّي والسلوى هي التي تربت على أكتاف جراحنا، فقد صدق القائل: البعضُ تغيب عنه سنين عددا ولا يتغير عليك ، والبعض قد تغيب عن ليوم واحد فتجده قد تغير. وهذا هو الفرق بين الذهب والخشب.
11
أكثر ما يعجبني في الشعر نسيب الحرمان ومدح الكِرام والوقوف على الأطلال والمراثي في حق العظماء ومن بعدها الشكوى وفوق ذلك عتاب الشكوى ومما كان يصر أساتذتنا في الأدب على حفظه عتاب شوق في المنفى لأصدقاءه بمصر الذين يستمتِعون بها وهو يُعاني مضادة الظلم وكثافة النسيان.
برقية شوقي التي التقطها حافظ يقول أمير الشعراء باكياً من وراء البحر
يا ساكِني مِصرَ إِنّا لا نَزالُ عَلى
عَهدِ الوَفاءِ وَإِن غِبنا مُقيمينا
هَلّا بَعَثتُم لَنا مِن ماءِ نَهرِكُمُ
شَيئاً نُبِلُّ بِهِ أَحشاءَ صادينا
كُلُّ المَناهِلِ بَعدَ النيلِ آسِنَةٌ
ما أَبعَدَ النيلَ إِلّا عَن أَمانينا
ورد شاعر النيل بحكمة وبلاغة وشجب بأبياته المسافرات في قلوب الأحبة والعُشاق والصالحين:
عَجِبتُ لِلنِّيلِ يَدري أَنَّ بُلبُلَهُ
صادٍ وَيَسقي رُبا مِصرٍ وَيَسقينا
وَاللَّهِ ما طابَ لِلأَصحابِ مَنهَلُهُ
وَلا رَوَت بِهِ أَحشاءُ صادينا
قَد غِبتَ عَنهُ وَما فارَقتَ شاطِئَهُ
وَقَد نَأَينا وَإِن كُنّا مُقيمينا
