
سد النهضة .. أزمة بلا اتفاق
سد النهضة .. أزمة بلا اتفاق
تقرير: الهضيبي يس
أكدت الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري استقرار الموقف المائي بالبلاد، مع تسجيل إيرادات أعلى من المتوسط في النيل الأبيض والأزرق حتى منتصف يوليو الجاري. وقالت الإدارة في بيان لها إن أحدث القراءات الفنية تشير إلى أن إيراد النيل الأبيض ومناسيبه أعلى من المتوسط العام ومستويات العام السابق.
كما سجل خزان جبل أولياء استقراراً إيجابياً يفوق متوسطات الأعوام السابقة، فيما تشهد جملة إيراد النيل الأزرق مستويات مائية جيدة تتجاوز متوسط العام الماضي. ورصد البيان انخفاضاً مؤقتاً في الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو 2026م، من 207 إلى 129 مليون متر مكعب يومياً، بنسبة نقص بلغت 76 مليون متر مكعب. وأوضح البيان أن ذلك انعكس على التصريف خلف خزان الروصيرص بانخفاض قدره 100 مليون متر مكعب يومياً، وخلف خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو. وأدى الانخفاض إلى هبوط مؤقت في مناسيب النيل بعدد من المحطات، حيث سجلت الروصيرص 1.50 متر، وود العيس 1.70 متر، وود مدني 1.60 متر، والخرطوم 1.08 متر، والحلفايا 94 سم، وشندي 54 سم. وأشارت الإدارة إلى أن المناسيب بالمناطق الواقعة شمال الخرطوم لا تزال أعلى من مستوياتها المسجلة خلال العام السابق حتى 15 يوليو 2026م.
وأرجعت الإدارة الانخفاض المؤقت إلى تراجع وارد النيل الأزرق نتيجة انخفاض تصريف سد النهضة الإثيوبي خلال تلك الفترة، مؤكدة أن تغير هيدرولوجيا النهر تتم معالجته عبر التشغيل الفني للخزانات لضمان استقرار الإمدادات.
وتم الإعلان عن تكوين لجنة عليا دائمة بإشراف وزير الزراعة والري البروفيسور عصمت قرشي، ووكيل الوزارة المهندس ضو البيت عبد الرحمن، وبرئاسة رئيس الجهاز الفني للموارد المائية، لمتابعة الموقف المائي على مدار الساعة واتخاذ القرارات التشغيلية المناسبة. وطمأنت الوزارة المواطنين والمزارعين بأن تشغيل الخزانات يتم وفق أسس علمية دقيقة تكفل سلامة المنشآت وتضمن تأمين الاحتياجات المائية للمواطنين والقطاع الزراعي، بما يدعم استقرار الإمداد المائي ونجاح الموسم الزراعي.
بالمقابل جددت مصر موقفها الرافض للإجراءات الأحادية التي تتخذها إثيوبيا في ملف سد النهضة، مؤكدة أن إدارة السد بعيداً عن التنسيق مع دولتي المصب مصر والسودان تمثل مخالفة لأحكام القانون الدولي. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن إثيوبيا تواصل التحرك بشكل أحادي في إدارة وتشغيل سد النهضة، دون التشاور أو التنسيق مع مصر والسودان، وبما لا يراعي مصالحهما أو المبادئ الحاكمة لإدارة الأنهار الدولية.
وأضاف عبد العاطي خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزيرة خارجية موزمبيق ماريا مانويلا لوكاس، أن القانون الدولي واضح فيما يتعلق بإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، إلا أن إثيوبيا أدارت السد خلال السنوات الماضية بصورة “مسيّسة”، بعيداً عن التوافق بين الدول الثلاث.
وأوضح عبد العاطي أن عمليات حجز المياه دون تنسيق مسبق أسهمت في انخفاض مناسيب نهر النيل، الأمر الذي أثر على جهود الدولة في توفير مياه الشرب للمواطنين، مشيراً إلى أن فتح بوابات السد دون إخطار مسبق أدى إلى غرق مناطق في السودان، كما تسبب في اضطرابات في مناسيب المياه داخل مصر.
وأكد وزير الخارجية أن القاهرة لا تعارض حق إثيوبيا في تحقيق التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية، لكنها ترفض أن يتم ذلك على حساب الحقوق التاريخية والقانونية لدولتي المصب.
وشدد على أن “لإثيوبيا الحق في التنمية، ولمصر الحق في الحياة”، مؤكداً أن تحقيق التنمية لا ينبغي أن يأتي على حساب الأمن المائي لشعوب أخرى.
وأشار عبد العاطي إلى أن موقف مصر يستند إلى قواعد القانون الدولي، التي تلزم الدول المشاطئة للنهر بالتعاون والتشاور وعدم التسبب في أضرار جسيمة للدول الأخرى عند إدارة الأنهار المشتركة، مؤكداً أن القاهرة ستواصل الدفاع عن حقوقها المائية عبر المسارات الدبلوماسية والقانونية.
وتعود أزمة سد النهضة إلى عام 2011 عندما بدأت إثيوبيا تشييد السد على النيل الأزرق، الذي يوفر نحو 85% من إيرادات نهر النيل الواصلة إلى مصر، ومنذ ذلك الحين دخلت مصر والسودان وإثيوبيا في جولات طويلة من المفاوضات للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء السد وتشغيله، بما يضمن تحقيق مصالح الدول الثلاث.
ورغم الوساطات التي قادها الاتحاد الإفريقي إلى جانب جهود دولية وإقليمية متعددة، لم تنجح المفاوضات في التوصل إلى اتفاق نهائي، فيما واصلت إثيوبيا تنفيذ عمليات الملء والتشغيل بصورة أحادية، وهو ما ترفضه مصر والسودان باعتباره مخالفاً لمبادئ القانون الدولي ويهدد الأمن المائي لدولتي المصب.
وتؤكد القاهرة باستمرار أنها تدعم حق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء، لكنها تتمسك في الوقت نفسه بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يحقق الاستخدام المنصف والعادل لمياه النيل، ويحفظ حقوق جميع الدول المشاطئة، ويحول دون نشوء أزمات مائية قد تؤثر على استقرار المنطقة.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عاصم إسماعيل: ما لم يتم التوصل لصيغة اتفاق مرضية بين الدول الثلاث مصر، السودان، إثيوبيا حول شأن عملية تشغيل السد، فضلاً عن الاتفاق على قضية السلامة التي تكفل عدم تعرض دولتي (السودان، ومصر) جراء مشروع سد النهضة، فإن الأزمة ستظل قائمة ولن تجدي أي محاولات لحل الخلافات التي أضحت تتمدد منذ سنوات، علاوة على ضرورة توفر عنصر (الثقة) بين كافة الدول وعدم اللجوء لاستخدام أدوات الضغط الإقليمي والدولي وفقاً لعلاقات كل دولة، وأعني مصر، وإثيوبيا.
ويضيف عاصم: أن قضية سد النهضة باتت تأخذ منحىً سياسياً ومعادلة مختلفة مقارنة مع أصل القضية التي لها أبعاد فنية بحتة تتصل باللجان التي كُوِّنت سابقاً لحل ما نشب من خلافات، ولكن الآن وبعد خطوة (إثيوبيا) وفرض واقع جديد على دولتي مصر، والسودان بانتهاء من أعمال السد، رغم وثيقة التوافق التي وقع عليها الدول الثلاث بالعاصمة الخرطوم خلال العام 2015، ونصت على عدم إضرار أي طرف بالآخر، زيادة على أن تخطر إثيوبيا الدولتين مصر، والسودان بفترة وجيزة عن حاجتها لملء بحيرة السد والكمية المتوقعة، ولكن تم ضرب تلك البنود بعرض الحائط.
وزاد: والآن ومع تصاعد وتيرة مخاوف مصر، والسودان جراء بعض المتغيرات المناخية، وكذا انخفاض مستويات انسياب مياه نهر النيل (الأزرق) بالكمية المطلوبة، وتوقف عدد من الأنشطة الزراعية في مصر على مستوى زراعة بعض المحاصيل مثل (الأرز) الذي يظل يستخدم كميات كبيرة من المياه لسنوات حتى الآن بلغت (7) سنوات، جميع هذه الأمور مؤشرات على لجوء القاهرة إلى البحث عن مسلك جديد لحل القضية، على أقل تقدير الخروج بأقل الخسائر، وبشأن (السودان) فإن المتغيرات المناخية وارتفاع مستويات الفيضانات باتت تظهر بشكل مخيف ومضاعف، كذلك تضاعف حجم الأمطار في بعض الولايات صاحبة المناخ (الصحراوي) سيدفع مزارعي تلك المناطق إلى الاتجاه نحو زراعة محاصيل الموالح بشكل كثيف.
