من دارفور إلى الخرطوم .. موجة انشقاقات جديدة تعصف بالمليشيا

من دارفور إلى الخرطوم .. موجة انشقاقات جديدة تعصف بالمليشيا

تقرير: الهضيبي يس

تواجه مليشيا الدعم السريع موجة جديدة من الانقسامات الداخلية بعد إعلان انشقاق مجموعة عسكرية كبيرة تضم نحو 280 مقاتلاً قادمين من إقليم دارفور، ووصولهم إلى العاصمة الخرطوم بكامل عتادهم العسكري، قبل إعلان انضمامهم إلى صفوف القوات المسلحة السودانية، في خطوة اعتبرها مراقبون تطوراً ميدانياً جديداً يكشف حجم التصدعات داخل صفوف المليشيا. ويأتي وصول القوة العسكرية المدججة بالسلاح من دارفور في توقيت تشهد فيه مليشيا الدعم السريع حالة من التراجع الداخلي والانقسامات المتصاعدة بين عناصرها وقياداتها، في وقت تتوالى فيه إعلانات الانشقاق والانسلاخ من مجموعات ميدانية مختلفة، الأمر الذي يضع مزيداً من الضغوط على تماسكها العسكري في عدد من المحاور.

 

 

 

 

ويشير انشقاق المجموعة القادمة من دارفور إلى موجة انهيارات متتالية داخل الصفوف الداخلية للدعم السريع، خاصة مع تزايد حالات خروج قيادات ميدانية بارزة أعلنت تخليها عن القتال ضمن صفوف المليشيا والعودة إلى المؤسسة العسكرية.
وكان من بين أبرز المنضمين حديثاً إلى القوات المسلحة عدد من القيادات الميدانية، من بينهم ضيف الله آدم بفازوغلي وفارس النور، إلى جانب قيادات أخرى، في وقت سبق أن أعلنت مجموعات عسكرية مختلفة انسلاخها عن الدعم السريع، من بينها مجموعة اللواء النور القبة، والعميد (السافنا)، ومجموعة محور النيل الأزرق بقيادة اللواء ضيف الله.
كما شهدت الفترة الماضية انضمام عدد من القادة الميدانيين المعروفين، بينهم “الهَويرة” و”القبة” وكيكل، إلى الجيش السوداني، وهي خطوات اعتبرها مراقبون مؤشراً على تصدع هيكلي داخل المليشيا وانجراف متزايد للقيادات والقوات باتجاه المؤسسة العسكرية.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تعلن فيها قيادات وعناصر تتبع للدعم السريع انسلاخها عن المليشيا، إذ تكررت خلال الفترة الماضية عمليات الانشقاق والانضمام للجيش، في إطار ما يصفه مراقبون بأنه عملية تفكيك داخلي لقوات أعلنت تمردها على الجيش في 15 أبريل من العام 2023م.
وفي إحدى أبرز الخطوات الأخيرة، أعلن قائد ميداني بالدعم السريع اعتذاره للشعب السوداني عن الانتهاكات التي ارتكبت بحق المواطنين، داعياً عناصر المليشيا إلى العودة للجيش، ومعللاً قراره بالانشقاق بما وصفه بـ”العنصرية وغياب القضية”.
ويمر السودان بمرحلة تحول داخلي عميقة بسبب الحرب التي اندلعت منذ نحو أربع سنوات، والتي أسفرت عن مقتل ما يقارب 200 ألف مواطن سوداني، وفق تقديرات متداولة، بينما اتهمت مليشيا الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين في إقليم دارفور وعدد من ولايات وسط البلاد، شملت عمليات قتل ونهب وسلب، فضلاً عن الاعتداء على المرافق الصحية والخدمية والمؤسسات الحكومية.
ويرى مراقبون أن الانقسامات داخل الدعم السريع لا ترتبط فقط بالعامل العسكري، بل تمتد إلى أزمات داخلية تتعلق بالتماسك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي داخل المليشيا، خاصة مع تصاعد الخلافات بين بعض المكونات القبلية والاجتماعية المرتبطة بها.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي أمين أحمد محمد أن ما يحدث داخل أروقة الدعم السريع من تخلخل يمثل نتيجة طبيعية ومتوقعة لمصير المليشيا، باعتبار أنها قامت وتأسست على مشروع لجماعة مسلحة مارست، بحسب قوله، سلوك الانتهاكات الإنسانية منذ عمليات عام 2003 في إقليم دارفور.
ويضيف محمد أن أهمية ما حدث من انسلاخ لعشرات المقاتلين من الدعم السريع والتحاقهم بالجيش تكمن في أنه يكشف، بحسب تقديره، عدم وجود أفكار وقناعات متأصلة داخل هذه الجماعة المقاتلة، التي قال إنها ألحقت أضراراً كبيرة بالسودانيين بمختلف مناطق البلاد.
ويشير محمد إلى أن تداعيات الخطوة التي تمت يوم الأربعاء ستكون لها تأثيرات معنوية كبيرة على ما تبقى من عناصر الدعم السريع، معتبراً أنها تحمل مؤشراً على أن المليشيا تواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة، بجانب حالة من الانقسام الإثني والجغرافي داخل مكوناتها.
ويستدل على ذلك بما جرى قبل أسابيع من مواجهات عسكرية بين قبيلتي بني هلبة والسلامات، وما ترتب عليها من سقوط مئات القتلى بسبب خلافات ذات طابع إثني، مشيراً إلى أن قيادة الدعم السريع لم تتمكن من احتواء الأزمة وإنهاء الخلاف، بسبب غياب الدور السياسي والتأثير الاجتماعي داخل مكونات إقليم دارفور.
ويتوقع المحلل السياسي أن تمتد موجة الانقسامات والانسلاخات خلال الفترة المقبلة، مرجعاً ذلك إلى الدور الذي قامت به الحكومة السودانية في تحييد ما يعرف بالمجموعات الأهلية في مناطق شريط البقارة، بدءاً من إقليمي كردفان ودارفور.
ويرى أن هذه التطورات قد تنعكس خلال الأيام المقبلة على سير العمليات العسكرية، عبر تسريع وتيرة تحركات الجيش لاستعادة عدد من المدن التي تعاني أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة نتيجة الحصار المفروض من قبل ما تبقى من عناصر الدعم السريع.