حسين خوجلي يكتب: ثلاثية السبت

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

ثلاثية السبت

 

يا ستار على النَّفَس الطالع ونازل

 

أسباب كثيرة دعت أصوات السودانيين تتعالى ضد الأتاوات التي قررت الحكومة فرضها على ألواح الطاقة الشمسية، وهي حملة مباركة ومشروعة شارك فيها العامة والخاصة وتصدى لها الصحفيون بشراسة حميدة دون أن يخلطوا الأوراق.
والأسباب التي أوردوها في مرافعة موفية ومقنعة وكثيفة جعلتها لا تحتاج إلى إضافة، ولكن ما دعاني للمساهمة في هذه الحملة عبارة أفلتت من الجميع هي أننا (يا سيادة الوزير اضطررنا للتصدي لمظلمة الرسوم المفروضة على هدية الشمس الحارقة (لشعبنا المحروق الحشا) فهي لعمري الهدية الوحيدة المجانية للطبيعة بعد انحسار النهر وشُح الغيث وجفاء الحُلفاء.
نعم هي البُشارة الأخيرة التي أصبحت رأس المال الوحيد لهذا الشعب الخالي الوِفاض، بعد أن احتل حميدتي آبار البترول فصار نصيبنا فيه صفر كبير، وبعد أن أصبح سعر الوقود المستورد عقب احتلال ترامب مضيق هرمز لا يُطاق، بل صارت قطرات البنزين مثل (فتيل المحلبية) المُستحيل في أيدي عروس المرحلة التي أصبح عِطرها الوحيد الماء القِراح وزيت السمسم وتعاويذ العديل والزين في ساحات (زواج الكَوره).
إننا نرفض يا كامل إدريس الأتاوة والرسوم شرعاً، ألم تقرأ قديماً أيها البروف أن الفاروق قد أسقط حد السرقة في عام الرمادة؟ سنظل نرفض هذا القرار وأخوته رفض الأزهري للجمعية التشريعية (حتى وإن جاء مُبَرَّأً من كل عيب).
أما بيت القصيد فإننا نخشى أن تُصدر حكومة الأمل (قرار الألم) بفرض رسوم على الهواء (والنَّفَس الطالِع ونازِل). ولنجعل شعار الحملة في إدانة الإنجازات العدمية في لا خدمة الشعب الصابر العائد في تصميم وشجاعة رغم ابتلاءات المسغبة واللا أمان هو ذات شعارالحكيم الشعبي:
اللا بانيك (ولا صارفك عليك موجود)
(قراروعليك) مِتِل (خنق الحبل فى العود)
الأرزاق مقسمه والعُمر معدود
(والهوا) عند كريماً بابو مُو مسدود

 

تمهلوا في أمر النساء

 

اشتهر عن الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز نُصحه لأولياء الأمور والوزراء وأصحاب الرئاسات بالمملكة العربية السعودية بعد أن تدفق النفط وتكاثر الثراء وكان يقول لهم جاداً وممازحاً: إياكم وفتنة النساء، فالنساء بالحلال يقضون على شرف الرجال فكيف وهنَّ بالحرام!.
وكان الملك فيصل مولعاً بالأدب والشعر بالعربية والإنجليزية ودائماً ماكان يختم نصيحته بحكاية يزيد بن بن الملك بن مروان والمغنية حبابة ونصيحة شقيقه مَسلمَة وغواية الشاعر الأحوص.
وكان يسردها عليه الرحمة بفصاحة عجيبة ولطف يُحكى أنه:
كان يزيد بن عبد الملك يعشق جارية تُدعى حبابة عشقا بالغاً حتى صرفته عن أمور الدولة وأشراف الأمور، وكان شقيقه (المتدين الملتزم) مسلمة كثيراً ما ينصحه ويحاول رده إلى صوابه حتى ارتدع فترة من الزمان وتاب وأقصى عنه حبابة وإن كان في القلب شيء من حتى. وقد أحزنها الفراق وتباعد حبيبها السلطان، فدست حبابة إلى الأحوص أن يقول أبياتًا في ذلك، وقالت له: إن رددته عن رأيه فلك ألف دينار. فألَّف الأحوص جملة أبيات، ودخل على يزيد وأنشده:

ألا لا تلمه اليوم أن يتلبدا
فقد غلب المحزون أن يتجلدا
بكيت الصبا جهدي، فمن شاء لامني
ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وإني وإن فندت في طلب الغنى
لأعلم أني لست في الحب أوحدا
إذا أنت لم تعشق، ولم تدرِ ما الهوى
فكن حجرًا من يابس الصخر جلمدا
فما العيش إلا ما تلذ وتشتهي
وإن لام فيه ذو الشنان وفندا

فلم يتحرك يزيد إلى حبابة بهذا الإغراء وبقي أسبوعًا لا يطلبها، فلما كان أحد الأيام قالت حبابة لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني. فلما أراد الخروج أعلمتها، فتلقته والعود في يدها فغنت البيت الأول، فغطى يزيد وجهه وقال: صهٍ لا تتغني. ثم غنت: فما العيش إلا ما تلذ وتشتهي، فعدل إليها وقال: صدقت والله، فقبح الله مَن لامني فيك. يا غلام، مُر مسلمة أن يصلي بالناس، وأقام معها يشرب وتغنيه.

 

محبة أو نفوراً

 

كان ابن الجوزي عليه الرحمة فقيهاً وعالماً وصاحب فتوى، وكان فوق ذلك يهتم بقصص العرب التي تدعو للاعتبار والتمسك بكرائم الأخلاق والمُثُل. ومن أغرب ما حكاه في أدب المزج ما بين الكلام والحزن في كتابه (عيون الحكايات) ما رواه عن الأصمعي وصاحبه في بادية من بوادي العرب .
إن العالمين ببواطن الأمور وأخبار القبائل كانوا يروون حكايات عن صحراء كردفان ودارفور لا تَقِل شرفاً عن هذه الحكاية، ولكن قاتل الله ميليشيا عائلة دقلو المجرمة، فقد أحالت هذه البادية الكريمة إلى بلقع ليس فيه من أثر إلا النهب والقتل والإغتصاب والدم والدماء والأشياء التي أوغرت النفوس ومنعت المطر.
تُرى متى يغسل الأحرار أوضار هؤلاء الأوباش فتعود تلك الأودية والصحارى إلى ذلك الألق القديم وذياك البريق.

روى الأصمعي أنه خرج يوماً مع رفيقٍ له في سفرٍ طويلٍ إلى البادية، يقطعان الفيافي ويجتازان القفار، حتى أخطآ الطريق وضلّا المسلك، فاشتدّ بهما العطش والتعب، وبينما هما على تلك الحال أبصرا من بعيد خيمةً قائمةً منفردة على جانب الطريق، لا يجاورها عمران ولا يلوح حولها أثرُ حيٍّ.
قصدا الخيمة برجاء أن يجدا عندها مأوى أو دلالة على الطريق، فلما دنوا منها سلّما، فجاءهما الردّ من داخلها بصوت امرأةٍ عجوز، قالت في هدوءٍ وثبات: انزلا، فإنكما ضيفان، والضيفان حقّهما الإكرام.
فنزل الأصمعيّ وصاحبه، فاستقبلتهما العجوز بأدبٍ ووقار، وأجلستهما، وقدّمت لهما ما تيسّر، ثم قالت لهما: اجلسا واطمئنا، فإن ابني عقيلًا قد خرج منذ قليل، وهو عائدٌ عمّا قريب، فإذا حضر فأكرماه، فإنه كريم الخلق، حسن الضيافة.
جلس الرجلان ينتظران، وقد أخذ منهما التعب مأخذه، وبينما هما كذلك إذا ببَعيرٍ يلوح من بعيد، يتقدّم نحوهما في هدوء، فنظرت المرأة إليه مليًّا، ثم قالت وكأنها تخاطب نفسها: أسأل الله بركة القادم، أمّا البعير فبعيرُ ابني، وأمّا الراكب فليس هو،وما لبث الراكب أن اقترب، فلما بلغ الخيمة نزل، وتقدّم نحو المرأة، وقال بصوتٍ خافتٍ حزين: يا أمّ عقيل، أعظم الله أجركِ في عقيل.
فانتفض قلبها، لكنها تماسكت، وقالت: ويحك! أقد مات عقيل؟ قال: نعم، لقد ازدحمت عليه الإبل، فدفعته فسقط في بئر، فمات.
سكتت المرأة لحظةً، لا صراخ ولا نواح، ولا جزع ولا شكوى، ثم رفعت رأسها وقالت للرجل: انزل واقضِ ذمام القوم، فإنهم ضيفان.
ثم قامت في سكينةٍ عجيبة، فأخذت كبشًا من ماشيتها، فذبحته، وأصلحت طعامًا بيديها، وقدّمته للأصمعيّ وصاحبه، فأكلا وهما في دهشةٍ لا توصف، وقد أخذ العجب منهما كل مأخذ، وقال كلٌّ منهما في نفسه: سبحان الله! امرأةٌ يُفجع قلبها بابنها الوحيد، فلا يظهر منها جزع ولا اضطراب، بل تقدّم حقّ الضيافة، وتؤدي واجب الإكرام، وكأن المصيبة لم تنزل بها لتوّها.
فلما فرغوا من الطعام، التفتت إليهما المرأة وقالت في هدوء: هل فيكما أحدٌ يُحسن شيئًا من كتاب الله؟
فقال الأصمعيّ: نعم، أنا أُحسن القراءة.
قالت: فاقرأ عليّ آياتٍ أتعزّى بها، وأستعين بها على ما نزل بي.
فقرأ عليها الأصمعيّ قول الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
فقالت المرأة وقد اغرورقت عيناها: الله! أفي كتاب الله هذا؟
قال الأصمعيّ: نعم، والله إنه لفي كتاب الله.
فقالت: السلام عليكم، ثم قامت، فتوضّأت في خشوع، وصفّت قدميها، فصلّت ركعتين خاشعتين، ثم رفعت يديها إلى السماء، وقالت بقلبٍ موقن ولسانٍ صادق:
اللهم إني فعلتُ ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني. صبرتُ كما أمرتني، فأنزل عليّ رحمتك كما وعدتني.