
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (اشتات…)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(اشتات…)
والوجع يذهب بالعقل.
وما ذاقه الناس من الدعم يذهب بعقول كثيرة.
ولأول مرة، الناس يتجاوزون تقليد… عدم الشماتة.
فبرمة ناصر ينعى ابنه على الفيس… وساعة،
وستة أشخاص يقولون: الله يرحمه.
والمئات… المئات يزدحمون ليصرخوا بناصر في شماتة مُرَّة،
ليهدروا: الحمد لله الذي جعلنا نراك تكرع مما سقيته الناس.
ويقولون: يا ناصر، هل ذقت مرارة موت الولد… الأم… الأخ… البنت… الطفل؟
هل ذقت الآن قطرة واحدة من البحر الذي سقيته للناس؟
وموت ابن برمة ناصر يصبح، وصرخة الناس، صورة لا صدق مثلها… صورة لما تذوقه الناس…
وحتى الآن، ما يتدفق ردًّا على نعي برمة، لأنه شيء لا أحد يستطيع أن يضعه تحت أنف ناصر ليقول له: اقرأ….
…….
(2)
(كل شيء هادئ في الميدان الغربي) رواية تفوز بجائزة نوبل في الستينيات.
والرواية، الصغيرة الحجم، تفوز بنوبل لأنها رسمت صورة الحرب… الصورة الحقيقية… وكان ميدانها هو الحرب العالمية الأولى.
والرواية ما فيها هو:
الجنود لسنوات في خنادق متقابلة، والمسافة بين الخنادق هنا والخنادق هناك ثلاثون مترًا، والقتال هو هجوم من هنا على الآخر لكسب الأمتار الثلاثين، وتراجع، وهجوم من هناك لكسب الأمتار الثلاثين، وتراجع. وبين الخندقين يرقد الأموات، وأصوات الأنين البائس للجرحى، ولا أحد يقترب منهم.
والخندق مبتل طول العام، ومن يرقد من التعب يرقد في طين الخندق.
ومن يقضِ حاجته يقضِها تحته، لأن من يطل من الخندق يموت.
…. والشاب الجندي (المستجد) الذي يخوض أول معركة يصاب بالإسهال من الرعب. وحين ينظر في حرج يقول له جندي عجوز:
: ازحف إلى نهاية الخندق، وانزع سروالك، ولا تهتم، فلا أحد ممن حولك إلا حدث له ما حدث لك.
وفي الرواية، الحرب هي أن الجندي ديريك يزور صديقه في خيمة الجرحى في الميدان، وحين يجلس على السرير كان ما يشغله هو كيف يطلب من الصديق الجريح أن يعطيه حذاءه، فالجريح لم يكن يعلم أن الأطباء قد بتروا ساقيه الاثنتين…
والحرب ليست في ميدان واحد، فالبيوت الصامتة فيها حرب الألم الذي يأكل القلوب.
والجندي الذي يُكلَّف بإبلاغ بعض الأسر بأن أولادهم قُتلوا، واحد منهم يدخل على أم صديقه لإبلاغها بأنه قُتل.
والأم، ما إن ترى صديق ابنها حتى تعانقه، وتنطلق في السؤال والسؤال، ولا تسكت لحظة، وتُجلس الشاب، وتضع أمامه الفاصوليا، وتجعله يأكل، والشاب لا يجد لحظة للكلام.
وأخيرًا… يبلغها أن ابنها قُتل.
وتسكت، وتتجمد تحت الصاعقة… ثم تنفجر:
: قُتل؟… قُتل؟… ديريك قُتل..؟
وتدور راقصة من الألم، ثم تتحول إليه لتصرخ في جنون:
: ديريك تحت ستة أقدام من الطين، وأنت جالس على مقعده تأكل الفاصوليا؟
والشاب يخرج… ولحظات، والمرأة تركض وراءه، وتتعلق به، وتتوسل إليه أن يسامحها، و…
…..
الحرب ليست هي ما يصيب الأجساد… بل هي الألم الحارق في النفوس…
وحوار يرسم السوداني والحرب.
وقائد بريطاني يقول لسوداني، مفاخرًا:
: في تقليد جيش بريطانيا أن الجندي الذي يفر من المعركة يُقتل… وهذا ليس في تقاليدكم.
قال السوداني:
: نعم… ليس في تقاليدنا، لأنه لم يحدث أن هرب سوداني من معركة.
وقال قرقاش في الأنس:
: ما أشد بلادة السودانيين… فالدعم يطردهم ويجردهم من كل شيء، ثم هم يصيحون… لا تفاوض بل… حرب… حرب.
