حسين خوجلي يكتب: محاولة لإعادة الدكتور الشاعر الشيخ جمعة سهل لمنصة التتويج

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

محاولة لإعادة الدكتور الشاعر الشيخ جمعة سهل لمنصة التتويج

1
من الوصايا التي يجب أن لا تفارق قلوب وعقول الأحباب والأصدقاء، هي أن لا يخافوا من التباعد والافتراق، بل عليهم أن يخشوا من التنكر للإلفة القديمة. فالافتراق والتباعد ضربٌ من الاختيار، أما الهجر بكل صنوفه فهو بعض من المشيئة والقَدَر الإنساني، فعلى الأحباب والعشاق والأصدقاء أن لا يحزنوا على من يستهينون للإلفة فهؤلاء ما عرفوا الحب يوماً وما علينا أن نبكي عليهم.

2
أحد العلماء المخلصين لدينهم قال يوماً في وجه الدكتاتور العلماني كمال أتاتورك حين منع القرآن والكتاتيب والآذان وألقى العربية وأبدلها باللاتينية، قال أمامه وأمام جمع من المستَلبين بلغة عربية صادحة وبحزم يصادم الضخر:
ياهذا! إن الحرام سيظل حراماً وشنيعاً ومزدرى حتى وإن فُرض أو رضِيت عنه الأغلبية العاجزة ، فالأفراد الأقوياء المؤمنين سيظلون وحدهم يؤمنون به لأنهم سيحاسبون يوم الموقف العظيم فرادى، وبعدها غادر الرجل العظيم ولا أحد استطاع أن يسأل الدكتاتور.

3
إن أخطر أنواع الكذب هو أن تكتشف أقرب الناس إليك كان كذاباً وستبقى مهمة العودة إلى أصول الأشياء مهمة صعبة ودربٌ مُهلكٌ وطويل.

4
لنزار قباني من غير شعره فإن كتاباته النثرية في الأدب والسياسة والحياة لا تقل جمالاُ وسحراً من إبداعاته الشعرية. وكتب يوماً ناصحاً لأحد أقرباءه الذي تركته خطيبته وظل يُلاحقها في رَهَق ويأس فدَسَّ له في مظروف أنيق هذه النصيحة: لا تُلاحق من استغنى عنك فأنت عنه أغنى ولا تُعاتب من أهملك فحياتك بفراقه أجمل، فأرح نفسك فمن أرادك بحق لا يتخلى عنك.

5
من النصائح التي تستحق المدارسة والتشريح في احترام إمكانات العامة والخاصة، وهو من أدب النصائح الذي يصلح للمدنين والعسكريين والفكرة المتداولة في اجتهادات الإدارة وسياسة الناس، إذ تقول ديباجة الفكرة هذه باختصار:
لكسب النصر النهائي يجب على الحزب أن يوجد قيادة علياً حكيمة بعيدة النظر ورجالاً تسيرهم العاطفة العاقلة، ويخضعون لهذه القيادة خضوعاً مُلزِماً ومستنيراً، فالسريّة التي تضم مئتي رجل كلهم أذكياء وأكفّاء هي أصعب قيادة من سرية تضم مئة وتسعين رجلاً عادياً وعشرة رجال أذكياء يمسكون زمام القيادة.

6
كل أمة أرادت أن تتجاوز الواقع المنهار إلى علياء النهضة فعليها أن ترسم خطة ذكية وملهمة وجادة لاكتشاف المواهب فالأمة التي تمد أياديها لاستنهاض مواهبها هي التي تبلغ شاهق المجد، أما التي ما زالت في ضحضاح السفح فهي التي تمد لسانها له لا أياديها.

7
هنالك صراع قديم ما بين عمى الانتماء الحزبي وصحوة الضمير الوطني، وإذا جاز لي أن أنقش عبارة على صدركل لافتة حزب أو تنظيم لكتبت:
إذا خُير أحدكم بين تنظيمه وضميره، فعليه أن يختار ضميره ويترك تنظيمه، لأن الإنسان يمكن أن يعيش بلا حزب ولا تنظيم، لكنه لا يستطيع أن يحيا بلا ضمير.

8
من قواعد فلسفة الاقتصاد المادي وركائزها الأساسية الاعتماد على الإسراف والأستهلاك وجعل الإنسان عبداً للمشتهيات والإعلان عنها. والمجتمعات الإستهلاكية هذه أو بالأحرى المادية يتم إغواء الإنسان بالإستدراج والإعلان بأن حقه الأساسي هو الاستهلاك، وأن إشباع اللذة هو أقصى تعبيرعن الحرية الفردية. وفي المجتمعات القاعدة عن أدب الإنتاج فإن اللا إستهلاك بحده الضروري آفته أكبر من آفة الإغواء، والحق في قاعدة الإسلام الشريفة {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}
وما الدنيا إلا زينة المسكن والملبس والمطعم والمركب فلا تسرفوا فيها حتى وإن امتلأت الخزائن العامة والخاصة وتظل كلمات سيدنا عمر هي الأبقى إذ دعاه أحد أبنائه لوجبة فجاء بسمكتين فقال عمر رضي الله عنه: وما الاذي دعاك لهذا الإسفار؟ فقال: سمك رأيته في السوق واشتهتيت واشتريت فقال عمر رضي الله عنه : ثكلتك أمك أكل ما أشتهت إشتريت!.

9
هذه هي نصيحة إبراهيم الفقي للمتجاوزين وأهل الفساد وأهل المصلحة من السياسيين وهي نصيحة أدَخل في أغوار النفس ولغة الجسد:
يقول الخبراء أن الشخص العريق فى كسر القوانين لا يحرك يديه أمام المُحققين وكذلك السياسيين الذين يقفون أمام كاميرات التليفزيون لا يحركون أيديهم إن هم أرادوا تمرير بعض الكذب.

حاشية:
هذه النصيحة التي نُشيعها جهراً لهؤلاء لا نريد منهم جزاءً ولا شكوراً وبعض الفضل علينا أن يتنازلوا عن الكثير من هذه الأفعال الشنيعة لمصلحة الجماهير.

10

اشتهر الدكتور العالم والفقيه والمحدث الراحل الشيخ جمعة سهل في أيام صباه الأولى ودراسته الجامعية بحزمة ذهبية من أشعار الغزل والنسيب البالغة الجمال والتأثير، وكانت كراسات الطلاب والطالبات تضج بأشعاره المترعة بالحب والأشواق صوب الحبيب المستحيل. وفاجأ الناس يوماً باستقالة مدوية عن هذا الباب وإعلان انضمامه لقافلة الدعاة والسير في شجاعة في طريق الأشواك لا الأشواق.
وقد اشتهرت قصيدة الاستقالة هذه أكثر من اشتهار قصائد الغزل والنسيب ونتشرف بأن ننشر النص كاملاً، وعلى أصدقاء الشيخ العالم الدكتو أن يهدونا أشعاره القديمة والجديدة فمن الأولى نتعلم اللغة ومن الثانية نتعلم الدين. وهذه هي قصيدة الاستقالة المدوية من أشواق إلى الأشواك.
يقول الشيخ الدكتور في قصيدته (صَلُحَ الفُؤَاد)
(1)
صلح الفؤاد فعاف كلَّ وشيجة
إلا الأخوةَ في رحاب الباري
فعلام أرضى بالدنية خاضعاً
للجاهلية أقتدي وأجاري
أنا مسلم وعقيدتي جنسيتي
ورضا ربي منتهى أوطاري
والحب في ذات المهيمن ميسمي
والله أكبر مبدئي وشعاري
وطَّنتُ نفسي أن أعيش لمبدئي
وأسير مقتفياً خطى المختارِ

الله ربي لا ولاء لغيره أبداً وذلك منطق الأحرارِ

(2)
يا سائلي عن موطني وعشيرتي
طوِّف بعقلك في دنا الأقطارِ
فإذا مررتَ على المدائن والقرى
وبدا لعينك ساكنو الأمصارِ
ورأيتَ فوق سمائهم علم الهدى
فاعلم بأنك قد حللت دياري
هاهم أولاء عشيرتي وأحبتي
ومحط آمالي وتاج فَخاري

(3)
أما إخوتي لأبي وأمي إن همو
سلكوا السبيل معي فهم أنصاري
ولئن أبوا فليعذروني إن أنا
قابلتهم بقطيعتي ونِفاري
أنا لا أحبذ أن أخلِّف ركبهم
متأرجحاً في ذلة وصغارِ
كلا ولستُ بمالك من أمرهم
شيئاً لأفعله سوى التذكارِ
إن الأخوةَ حيثما فقد الهدى
محفوفةٌ بجلائل الأخطارِ
قد لا تدوم وقد يعكر صفوها
أمل رديء سيء الآثارِ
ووشيجة الأرحام أكبرُ نعمةٍ
إذ ما تزان بصبغة الجبارِ
إني تذوقتُ الحلاوة هانئاً
في ظلها مكسوة بوقارِ
ولمستُ سَعدي إذ غرستُ بذورها
في أرضها ولقد جنيت ثماري

(4)
يا معجباً بقريحتي فيما مضى
أعدِ التفكر وانتقد أشعاري
أنا شاعرٌ مَلَّكتُ نفسي للهوى
في الجاهلية فافتقدتُ مداري
قد كنتُ في عهد الجهالة أختلي
متفرداً أَصِلُ الدجى بنهارِ
لأصوغ من شعر المجون قوالباً
حَمْقى أرتلها على السمارِ
وأظل أمطر جمعهم بقصائدي
وأخوض في دنيا الهوى وأماري
حتى تداركني الإله بنفحةٍ
وبمحضِ رحمته أقال عثاري
فبدا لعيني أنني فوق الشَّفا
وبصرتُ بالجُرُفِ السحيق الهاري
ووجدتُّنِي أسعى بنفسي جاهداً
سعي المجِدِّ لشقوتي ودماري
ربي تبارك لم يدعني للهوى
يجتاحني ويجرني للنارِ
بل قادني لرحابه واختط لي
نـجْد الهداية مشرق الأنوارِ
فنذرتُ مذ غشي الضياء بصيرتي
للذود عن دين الهدى أشعاري
عَلِّي أُفيد النفس يوم ذهولها
محواً لما اقترفَتْ من الأوزارِ

(5)
فاعلم أخي أن الرباط مقدس
والعمرَ فانٍ والسنين جَوارِ
والصدرَ رحبٌ للقاء على هدى
فهلم نحيا في رحاب الباري
علَّ الإله يخصُّنا متفضلاً بولوجنا في زمرة الأبرارِ

(6)
لا هم سدد وَفق شرعك ألسناً
لهجت بذكرك أفضل الأذكارِ
وتولَّنا واسلل سخائمنا التي
غزت الصدور بأخبث الأقذارِ
أنزل سكينتك التي عُهِدتْ على
كل امرئ متخبط محتارِ
واهدِ الجميع إلى رحابك واستجب لندائنا يا سابل الأستارِ