حسين خوجلي يكتب: الشعر والمقالة ما بين بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

الشعر والمقالة ما بين بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة

1
يبدو أن الانتصارات الكُبرى في كردفان الغرة أم خيراً جوه وبره، قد فتحت (باب الغنا) وعَلّق شعراء بلادي بالفصيح والعامية عشرات القصائد في جِيد بارا وأم قرفة وأم سيالة وجبرة الشيخ والخوي وأم صميمة. ويبدو أن الأحرار على وشك تعقيم كردفان من رجس ودنس العملاء والخائنين من مطاليق المنافي الذين أحسن إليهم هذا البلد بكرمه وحُسن فِعاله، وقد حق عليهم قول الشاعر الحكيم:
إن أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
فقد تمردوا على خير كانوا لا يستحقونه ومناصب لم يتهيأوا لها فنياً ولا أخلاقياً وأمولاً ظنناها ستعيد عليهم الطمأنينة والقناعة فزادتهم شراً فصار القتل والسرق والنهب والحريق أدواتهم في الترفيه وتزجية الوقت الحرام. ومما كتبناه بالعامية ليبلغ الجميع.

مسدار (بارا) الذي تناوله الكثيرون بالشوق والمعارضة

الخَبر الأكيد من بارا جابُو الجيشْ
نصراً بالضُراع.. لا دوشكا لا تشويشْ
يوم دَفَر البِجا.. والنُوبة ضَمُّو قريشْ
الهامِل طَفش.. سرّاق حَمِير العيشْ

2
وعندما تكاثفت الانتصارات واستطال عويل الأصوات الإعلامية مثل الفحيح في المنابر وهم يترددون ما بين الخوف والارتباك والهلع أردفناها بثانية وأسميناها ب:

مسدار (دامرة مستريحة)

مادام النِّوير هتكت شَرف بِت عمُّو
ومادام للحِلو سايم عقيدتو ودمُّو
ومادام الرزق نهْبو وحرامو وخمُّو
الدِيب بنقبضْ.. والدابي بِكْتُلو سِمُّو

3
الذي لا يعلمه الكثير من الناس في آتون هذه المعارك الشرسة بأن المرأة السودانية لم يقف دورها في إنجاب الفرسان فقط من الجيش والمقاومة الشعبيبة والمشتركة وإنما كانت في معارك كردفان ودارفور تُقاتل وتُداوي وتصنع الطعام.
وكيف لا تفعل ذلك وهي التي تحمل شهادة البحث ممهورة بيد المجاهدة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها التي قال عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم كلمات ظلت جواهر في تاريخ الشعوب والنضال المُرّ من أجل تحريرالإنسان من عبودية البشر إلى عبودية الخالق. ومن منا لا يحفظ عبارة المصطفى صلى الله عليه وسلم الشهيرة وهو بين عرق الإجهاد ودم المجاهدة والدمع الطيب على فراق الأحبة والأصحاب من الشهداء والصالحين.
وإذا كان أصحاب الرتب يحبون النياشين والأنجم اللامعات على الأكتف وألقاب الترقيات في الوغى، فإن الرتبة التي تستحقها نسيبة هي رتبة المهيب في يوم أحد الرهيب، وهل هنالك نيشان أصدق وأبلغ وأزهى وأغلى من نيشان المصطفى عليه الصلاة والسلام!
(ما التفتُّ يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني).

4
وهنالك كوكبة من الشعراء الكبار الذين تألق شعرهم في أيام المعارك وساحات الوغى والتمترس المُرّ على الثغور والزحف البليغ في وجه أعداء الدولة والدين، وأشهر من التمعت قصائده أبو الطيب المتنبي الذي شارك بسيفه وقلمه في المعارك ضد الروم ولذلك كان يكرهه المستشرقون ودُعاة العلمانية، فقد كان الرجل فوق فصاحته مقاتلاً.
ومن منا ينسى قصيدته الباهرة في معركة الحدث الحمراء، ووصفت بالحمراء لكثرة ما أرهق فيها دماء وهي مدنية قصية ما بين الروم والمسلمين وكان الروم قد احتلوها فصمم سيف الدول على استعادتها وشارك المتنبي في المعركة ولذلك جاءت قصيدته:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها
وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
وقد وصف فيها المعركة وصفاً يشابه معركة (بارا) لما فيها من إقدام والتحام وشجاعة وحب طليق صوب الفداء والشهادة نهديها للفريق الشهيد عبدالعزيز نيري الشهير (مستر هجوم) والأبيات التي تصف المعركة نختار منها:
هَلِ الحَدَثُ الحَمراءُ تَعرِفُ لَونَها
وَتَعلَمُ أَيُّ الساقِيَينِ الغَمائِمُ
سَقَتها الغَمامُ الغُرُّ قَبلَ نُزولِهِ
فَلَمّا دَنا مِنها سَقَتها الجَماجِمُ
بَناها فَأَعلى وَالقَنا تَقرَعُ القَنا
وَمَوجُ المَنايا حَولَها مُتَلاطِمُ
وَكانَ بِها مِثلُ الجُنونِ فَأَصبَحَت
وَمِن جُثَثِ القَتلى عَلَيها تَمائِمُ
طَريدَةُ دَهرٍ ساقَها فَرَدَدتَها
عَلى الدينِ بِالخَطِّيِّ وَالدَهرُ راغِمُ
تُفيتُ اللَيالي كُلَّ شَيءٍ أَخَذتَهُ
وَهُنَّ لِما يَأخُذنَ مِنكَ غَوارِمُ
إِذا كانَ ما تَنويهِ فِعلاً مُضارِعاً
مَضى قَبلَ أَن تُلقى عَلَيهِ الجَوازِمُ
وَكَيفَ تُرَجّي الرومُ وَالروسُ هَدمَها
وَذا الطَعنُ آساسٌ لَها وَدَعائِمُ
وَقَد حاكَموها وَالمَنايا حَواكِمٌ
فَما ماتَ مَظلومٌ وَلا عاشَ ظالِمُ
أَتوكَ يَجُرّونَ الحَديدَ كَأَنَّهُم
سَرَوا بِجِيادٍ ما لَهُنَّ قَوائِمُ
إِذا بَرَقوا لَم تُعرَفِ البيضُ مِنهُمُ
ثِيابُهُمُ مِن مِثلِها وَالعَمائِمُ
خَميسٌ بِشَرقِ الأَرضِ وَالغَربِ زَحفُهُ
وَفي أُذُنِ الجَوزاءِ مِنهُ زَمازِمُ
تَجَمَّعَ فيهِ كُلُّ لِسنٍ وَأُمَّةٍ
فَما تُفهِمُ الحُدّاثَ إِلّا التَراجِمُ
فَلِلَّهِ وَقتٌ ذَوَّبَ الغِشَّ نارُهُ
فَلَم يَبقَ إِلّا صارِمٌ أَو ضُبارِمُ
تَقَطَّعَ مالا يَقطَعُ الدِرعَ وَالقَنا
وَفَرَّ مِنَ الأَبطالِ مَن لا يُصادِمُ
وَقَفتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ لِواقِفٍ
كَأَنَّكَ في جَفنِ الرَدى وَهوَ نائِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأَبطالُ كَلمى هَزيمَةً
وَوَجهُكَ وَضّاحٌ وَثَغرُكَ باسِمُ

حاشية:

ولنا رجاء لدى قيادة الكلية الحربية أن يجعلوا من ضمن المقرر في التوجيه المعنوي، أن تُخصص محاضرات محفوظة وجلية في الأدب الشعبي الناطق باسم البطولات والأدب العربي الذي يدعو للجهاد في سبيل الدين والوطن. فليس هنالك فارس في هذه الأرض لا يجيد الخطابة وفي كثير من الأحيان فإن اعتلاء القائد خطيباً أمام جنوده قبل المعركة هي نصف المعركة. وقصيدة الحدث الحمراء هذه من المرشحات يا سعادة الفريق.

5
وفي ديوان العرب يحفظ الثقات من المدنيين والعسكريين المهتمين بالمواجهة والمعارك المصيرية قصيدة أبو تمام التي أنشهدها أمام الخليفة المجاهد المعتصم وأحد المؤسسين الكبار للدولة العباسية. وقد أنشد أمامه قصيدته الشهيرة بعد انتصار معركة عمورية الإستراتيجية أمام الروم وهي التي تشابه معاركنا الحالية بارا وأم سيالة والجنينة القادمة وهو نص بديع نقتطع منه الابتدارات الأولى:

السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في
مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ
وَالعِلمُ في شُهُبِ الأَرماحِ لامِعَةً
بَينَ الخَميسَينِ لا في السَبعَةِ الشُهُبِ
أَينَ الرِوايَةُ بَل أَينَ النُجومُ وَما
صاغوهُ مِن زُخرُفٍ فيها وَمِن كَذِبِ
تَخَرُّصاً وَأَحاديثاً مُلَفَّقَةً
لَيسَت بِنَبعٍ إِذا عُدَّت وَلا غَرَبِ
عَجائِباً زَعَموا الأَيّامَ مُجفِلَةً
عَنهُنَّ في صَفَرِ الأَصفارِ أَو رَجَبِ
وَخَوَّفوا الناسَ مِن دَهياءَ مُظلِمَةٍ
إِذا بَدا الكَوكَبُ الغَربِيُّ ذو الذَنَبِ
وَصَيَّروا الأَبرُجَ العُليا مُرَتَّبَةً
ما كانَ مُنقَلِباً أَو غَيرَ مُنقَلِبِ
يَقضونَ بِالأَمرِ عَنها وَهيَ غافِلَةٌ
ما دارَ في فُلُكٍ مِنها وَفي قُطُبِ
لَو بَيَّنَت قَطُّ أَمراً قَبلَ مَوقِعِهِ
لَم تُخفِ ما حَلَّ بِالأَوثانِ وَالصُلُبِ
فَتحُ الفُتوحِ تَعالى أَن يُحيطَ بِهِ
نَظمٌ مِنَ الشِعرِ أَو نَثرٌ مِنَ الخُطَبِ
فَتحٌ تَفَتَّحُ أَبوابُ السَماءِ لَهُ
وَتَبرُزُ الأَرضُ في أَثوابِها القُشُبِ
يا يَومَ وَقعَةِ عَمّورِيَّةَ اِنصَرَفَت
مِنكَ المُنى حُفَّلاً مَعسولَةَ الحَلَبِ

حاشية:

والقصيدة طويلة مما جعلنا ندعو مخلصين أهل المراجع والمقررات أن يجعلوها حِفظاً وشرحاً في مقرر اللغة العربية للشهادة السودانية.

6
ومن منا لا يذكر في الفروسية والجرأة في الحق والجهاد المشروع للكرام قصيدة الشاعر الكفيف صاحب البصيرة بشار بن برد وهي قصيدة تصلح أيضاً للمقررات والحفظ والاستدلال وتدريب الأنفس والألسن على الخطابة والتعبير، وهي طويلة ومنها نختار:
لِأَلقى بَني عَيلانَ إِنَّ فَعالَهُم
تَزيدُ عَلى كُلِّ الفَعالِ مَراكِبُه
أُلاكَ الأُلى شَقّوا العَمى بِسُيوفِهِم
عَنِ الغَيِّ حَتّى أَبصَرَ الحَقَّ طالِبُه
إِذا رَكِبوا بِالمَشرَفِيَّةِ وَالقَنا
وَأَصبَحَ مَروانٌ تُعَدُّ مَواكِبُه
فَأَيُّ اِمرِىءٍ عاصٍ وَأَيُّ قَبيلَةٍ
وَأَرعَنَ لا تَبكي عَلَيهِ قَرائِبُه
رُوَيداً تَصاهَل بِالعِراقِ جِيادُنا
كَأَنَّكَ بِالضَحّاكِ قَد قامَ نادِبُه
وَسامٍ لِمَروانٍ وَمِن دونِهِ الشَجا
وَهَولٌ كَلُجِّ البَحرِ جاشَت غَوارِبُه
أَحَلَّت بِهِ أُمُّ المَنايا بَناتِها
بِأَسيافِنا إِنّا رَدى مَن نُحارِبُه
وَما زالَ مِنّا مُمسِكٌ بِمَدينَةٍ
يُراقِبُ أَو ثَغرٍ تُخافُ مَرازِبُه
إِذا المَلِكُ الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ
مَشَينا إِلَيهِ بِالسُيوفِ نُعاتِبُه
وَكُنّا إِذا دَبَّ العَدُوُّ لِسُخطِنا
وَراقَبَنا في ظاهِرٍ لا نُراقِبُه
رَكِبنا لَهُ جَهراً بِكُلِّ مُثَقَّفٍ
وَأَبيَضَ تَستَسقي الدِماءَ مَضارِبُه
وَجَيشٍ كَجُنحِ اللَيلِ يَرجُفُ بِالحَصى
وَبِالشَولِ وَالخَطِّيِّ حُمرُ ثَعالِبُه
غَدَونا لَهُ وَالشَمسُ في خِدرِ أُمِّها
تُطالِعُنا وَالطَلُّ لَم يَجرِ ذائِبُه
بِضَربٍ يَذوقُ المَوتَ مَن ذاقَ طَعمَهُ
وَتُدرِكُ مَن نَجّى الفِرارُ مَثالِبُه
كَأَنَّ مُثارَ النَقعِ فَوقَ رُؤُسِهِم
وَأَسيافَنا لَيلٌ تَهاوى كَواكِبُه
بَعَثنا لَهُم مَوتَ الفُجاءَةِ إِنَّنا
بَنو المُلكِ خَفّاقٌ عَلَينا سَبائِبُه
فَراحوا فَريقاً في الإِسارِ وَمِثلُهُ
قَتيلٌ وَمِثلٌ لاذَ بِالبَحرِ هارِبُه

حاشية:

ومن غير الفروسية والمديح واستثارة المكارم، له في القصيدة أبيات في حق الصداقة والصحبة سارت بها الركبان:
أَخوكَ الَّذي إِن رِبتَهُ قالَ إِنَّما
أَرَبتُ وَإِن عاتَبتَهُ لانَ جانِبُه
إِذا كُنتَ في كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِباً
صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
فَعِش واحِداً أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ
مُقارف ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُه
إِذا أَنتَ لَم تَشرَب مِراراً عَلى القَذى
ظَمِئتَ وَأَيُّ الناسِ تَصفو مَشارِبُه

7
ونختم هذا التطواف الأدبي في غِمار الملاحم والبطولات بخريدة الشاعر العبقري البُحتري رديف أبو تمام في كبرياء الحرف وكبرياء الجُرح، وفيها وصف دقيق لوقفات البطولة والشجاعة ونكران الذات وفداء الوطن والقيم والثوابت بالروح رخيصة وعلى الثغرابتسامة وفي القلب رضا يقول البحتري:
ضاقَت بِأَسعَدِ أَرضِها لَمّا رَمى
ساحاتِها بِالرَجلِ وَالفُرسانِ
بِفَوارِسٍ مِثلِ الصُقورِ وَضُمَّرٍ
مَجدولَةٍ كَكَواسِرِ العُقبانِ
لَمّا رَأَوا رَهَجَ الكَتائِبِ ساطِعاً
قالوا الأَمانَ وَلاتَ حينَ أَمانِ
يَئِلونَ مِن حَرِّ الحَديدِ وَخَلفَهُم
شُعَلُ الظُبا وَشَواجِرُ الخِرصانِ
يَومٌ مِنَ الأَيّامِ طالَ عَلَيهِم
فَكَأَنَّهُ زَمَنٌ مِنَ الأَزمانِ
أُيِّدتَ بِالنَصرِ الوَشيكِ وَأُتبِعوا
في ساعَةِ الهَيجاءِ بِالخِذلانِ
راموا النَجاةَ وَكَيفَ تَنجو عُصبَةٌ
مَطلوبَةٌ بِاللَهِ وَالسُلطانِ
جاءَتكَ أَسرى في الحَديدِ أَذِلَّةً
مَشدودَةَ الأَيدي إِلى الأَذقانِ