الحاج الشكري يكتب: مشاهدات عائد من مشروع الجزيرة (٢)

نقطة وسطر جديد

الحاج الشكري

مشاهدات عائد من مشروع الجزيرة (٢)

نواصل ما بدأناه بالأمس من مقالات عن زيارتنا لمشروع الجزيرة، والتي نظمها مركز عنقرة للخدمات الصحفية، ورأينا في هذه القافلة الإعلامية التي امتدت لأسبوع في الجزيرة والنيل الأزرق كيف خرب الجنجويد البنية التحتية في مشروع الجزيرة، ورأينا كيف تنهض الإدارات الوطنية بمسؤولياتها من تحت أكوام الرماد، ليبدأ مشروع الجزيرة في مرحلة التعافي بسرعة تسعد القلوب وتغيظ الأعداء.
من أجمل البشريات التي سمعتها من فم المهندس إبراهيم مصطفى علي، محافظ مشروع الجزيرة، أن المؤشرات الإنتاجية للموسم الحالي تؤكد قدرة المشروع على استعادة دوره الاقتصادي، ولعل هذا الحديث للسيد المحافظ لم يكن نظرياً للتجمل أمام الكاميرات كعادة أغلب المسؤولين، وإنما ذهب معنا بنفسه، ورأينا بأم أعيننا في منطقة الكمر الجعليين حواشة مساحة عشرة فدان أنتجت ٢٥٠٠ جوال بصل، بواقع ٢٥٠ جوالاً للفدان الواحد، فدخل هذا المزارع بالحد الأدنى يفوق الـ ٢٠٠ مليار جنيه، فأي دخل أفضل من هذا للمواطن، وهذا يؤكد الرغبة الصادقة والعملية لمحافظ المشروع بنقل إنسان الجزيرة من مزارع إلى رجل أعمال (بزنس مان)، وهذا يؤكد أن الدولة إذا فتحت خزائنها لمشروع الجزيرة ومشروع الرهد حتماً ستعود على الدولة بملايين الدولارات من النقد الأجنبي، كيف وأن مشروع الجزيرة قادر على إنتاجية تتراوح ما بين ١٥ إلى ١٦ قنطاراً من القطن في ظل إدارة ناضجة وراشدة تخطط لزراعة ٤٠٠ ألف فدان من محصول القطن.
مشروع فيه أرض خصبة ومياه تنساب بشكل طبيعي، حتى بلغت حتى الآن ٣٤ مليون متر مكعب منسابة من غير عائق، وإدارة وخبراء زراعيون ومزارعون يتواجدون في قلب الأرض، فقط تنقصهم الإرادة السياسية التي توفر لهم الإمكانيات التي تولد خيرات هذه الأرض، لنعود إلى ما كنا عليه في السابق، حيث كان الجنيه يساوي ثلاثة دولارات. هذا الوضع الشائه والمتردي لا يمكن أن نخرج منه إلا إذا خرجنا من قانون مشروع الجزيرة لعام ٢٠٠٥م المعدل ٢٠١٤م، الذي أخرج الدولة من التمويل المباشر، فكان هذا التدهور الذي أوصلنا لهذا الحضيض.
أجمل ما أعجبني في إدارة مشروع الجزيرة وهي تضع خطة لنهضة مشروع الجزيرة بشكل أفضل مما سبق فترة دخول الجنجويد، هي إدخالها تقنية التحول الرقمي لإدارة المشروع عبر الأقمار الصناعية، والتي تمكن إدارة المشروع من رؤية كل شاردة وواردة عن المشروع بكل مساحته الممتدة في وقت واحد. إضافة لاتباع النظم الحديثة من لحظة التحضير إلى لحظة الحصاد، ولعل هذا يمثل عندي تحولاً كبيراً، وسوف نرى بعده مشروعاً عظيماً تطير سمعته بين الأمم والشعوب.
في ختام هذا المقال أؤكد أن ما شاهدته في مشروع الجزيرة، ومروراً بسنار ووصولاً إلى النيل الأزرق، توصلت إلى قناعة راسخة أن السودان به ملايين من الأراضي الغنية والصالحة للزراعة، لو منحت الاهتمام الكافي من قيادة الدولة فهي حتماً قادرة على إحداث نهضة كبرى في سنوات قليلة، ولكن للأسف الإهمال والفساد وسوء التخطيط وعدم توفر الإرادة السياسية الكافية هو السبب الأصيل في تخلف السودان والسودانيين.