حسن بشير يكتب: الخريف المتأخر .. بين هاجس الفيضانات وسد النه

ضربة جزاء

حسن بشير

الخريف المتأخر .. بين هاجس الفيضانات وسد النهضة

كلما تأخر هطول أمطار الخريف في السودان، تتجدد المخاوف من أن يعقب ذلك هطول غزير خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما قد يؤدي إلى سيول وفيضانات تتجاوز قدرة المصارف والمجاري الطبيعية على استيعابها. هذه المخاوف ليست وليدة الخيال، بل تستند إلى تجارب عاشها السودانيون في مواسم سابقة، عندما تحولت الأمطار من نعمة ينتظرها المزارعون إلى تحدٍ كبير واجه المواطنين والدولة على حد سواء.
هذا العام يكتسب الخريف أهمية إضافية، في ظل استمرار تشغيل سد النهضة الإثيوبي، وما يصاحبه من نقاشات حول تأثيره على تدفقات مياه النيل الأزرق. وبين من يرى أن السد يمكن أن يسهم في تنظيم المياه والحد من الفيضانات، ومن يطالب بمزيد من التنسيق وتبادل المعلومات بين دول الحوض، يبقى السودان في قلب المعادلة، بحكم موقعه الجغرافي واعتماده المباشر على مياه النيل.
إن القضية لا ينبغي أن تُناقش بمنطق التخويف أو التطمين المطلق، وإنما بمنطق العلم والحقائق. فالفيضانات لا تحدث بسبب عامل واحد، وإنما نتيجة تداخل عدة عوامل، منها كمية الأمطار على الهضبة الإثيوبية وداخل السودان، ومستوى امتلاء الخزانات، وآلية تشغيل السدود، وكفاءة المصارف، ومدى جاهزية الجهات المختصة للاستجابة السريعة.
ضربة جزاء ترى أن الاستعداد المبكر هو الخيار الأكثر حكمة. فالمطلوب اليوم ليس انتظار وقوع الكارثة ثم التحرك، وإنما اتخاذ التدابير الوقائية قبل وصول ذروة الأمطار. تنظيف مصارف المياه، وصيانة الجسور والترع، ومراجعة خطط الطوارئ، وتجهيز فرق الدفاع المدني، وتوفير وسائل الإيواء والإمدادات الأساسية، كلها إجراءات قد تصنع الفارق عند حدوث أي طارئ.
كما أن تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وتبادل المعلومات الفنية بين الجهات المختصة يظل من أهم عناصر إدارة المخاطر. فكلما توفرت البيانات الدقيقة في الوقت المناسب، أصبحت القدرة على اتخاذ القرار أفضل، وانخفضت احتمالات الخسائر في الأرواح والممتلكات.
ولا تقل مسؤولية المواطن أهمية عن مسؤولية الدولة. فالالتزام بإرشادات السلامة، والابتعاد عن مجاري السيول، وعدم البناء في المناطق المعرضة للفيضانات، والتفاعل مع تنبيهات الجهات الرسمية، كلها عوامل تسهم في حماية المجتمع وتقليل آثار الكوارث الطبيعية.
وفي المقابل، يبقى الأمل معقودًا على أن يحمل هذا الخريف الخير للمزارعين والرعاة، وأن تسهم الأمطار في إنجاح الموسم الزراعي، وزيادة المخزون المائي، وتحسين المراعي. فالسودان بلد يعتمد على الأمطار اعتمادًا كبيرًا في الزراعة والإنتاج، ولذلك فإن المطلوب هو الاستفادة من نعمة الأمطار مع الاستعداد لمواجهة مخاطرها إذا اشتدت.
وفي الختام، فإن الحديث عن الخريف وسد النهضة يجب أن يبقى في إطار التحليل الموضوعي المبني على المعلومات الموثوقة، بعيدًا عن الشائعات أو الأحكام المسبقة. وما بين التفاؤل بموسم زراعي واعد، والحذر من مخاطر السيول والفيضانات، تبقى الوقاية والتخطيط والتنسيق هي الركائز الأساسية لحماية الوطن والمواطن. نسأل الله أن يجعل أمطار هذا العام أمطار خير ورحمة، وأن يحفظ السودان وأهله من كل سوء.