
شمال كردفان .. الجيش يدك آخر معاقل المليشيا
البرهان يتفقد أم سيالة ومناطق محررة
شمال كردفان .. الجيش يدك آخر معاقل المليشيا
تقرير: مجدي العجب
وصل رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى عدد من المناطق بولاية شمال كردفان، بينها منطقة أم سيالة، للوقوف على الأوضاع الميدانية وتفقد القوات عقب العمليات العسكرية التي أسفرت عن استعادة السيطرة عليها. وأظهرت مشاهد متداولة جانباً من جولة البرهان داخل المناطق التي دخلتها القوات المسلحة والقوات المساندة، رفقة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي وقائد قوات درع السودان اللواء أبوعاقلة كيكل، حيث اطلع على سير العمليات وجهود تأمين المناطق التي تمت استعادتها خلال الأيام الماضية. وكان الجيش السوداني والقوات المشتركة قد أعلنا استعادة السيطرة على عدد من المناطق الإستراتيجية في شمال كردفان، من بينها أم سيالة وبارا وجبرة الشيخ وأم قرفة والبركة، عقب معارك مع قوات الدعم السريع.
وتأتي زيارة رئيس مجلس السيادة إلى شمال كردفان في ظل التطورات العسكرية المتسارعة بالإقليم، الذي يمثل محوراً مهماً لارتباطه بالطرق الرابطة بين وسط السودان وغربه، فيما تواصل القوات عملياتها لتأمين المناطق التي تمت استعادتها وتعزيز انتشارها الميداني.
ولم تعد العمليات العسكرية التي يخوضها الجيش السوداني والقوات المساندة في شمال كردفان مجرد تقدم ميداني محدود، بل تحولت إلى زحف متواصل يعيد رسم خريطة السيطرة في واحدة من أكثر جبهات الحرب أهمية. فبعد تحرير عدد من المدن والمحليات خلال الساعات الماضية، تتجه الأنظار إلى آخر معاقل مليشيا الدعم السريع في الولاية، حيث لم يتبقَّ خارج سيطرة القوات سوى محليتي أم بادر وسودري، في وقت تشير فيه التطورات الميدانية إلى أن معركة الحسم قد دخلت مرحلتها الأخيرة. ويكتسب هذا التقدم أهمية استثنائية لأنه تزامن مع استيلاء الجيش على مخازن ضخمة للأسلحة والذخائر والآليات العسكرية، كانت تمثل أحد أهم مراكز الإمداد اللوجستي للمليشيا في إقليم كردفان. ويعتقد مراقبون أن فقدان هذه المخازن سيؤثر بصورة مباشرة على القدرة القتالية للمليشيا، ويقلص قدرتها على الصمود أو تنفيذ عمليات هجومية، خاصة في أم بادر وسودري اللتين أصبحتا، وفقاً للمعطيات العسكرية، شبه معزولتين عن مصادر التسليح والإمداد.
وتشير الوقائع على الأرض إلى أن الجيش لم يكتف باستعادة المدن والطرق الإستراتيجية، بل يعمل أيضاً على تجريد خصمه من أدوات القتال، وهو ما يمنح القوات المتقدمة أفضلية واضحة في أي مواجهة مقبلة. فالحروب لا تُحسم فقط بكسب الأرض، وإنما بحرمان الخصم من السلاح والذخيرة وخطوط الإمداد، وهي معادلة تبدو اليوم أكثر وضوحاً في شمال كردفان، حيث تتسارع وتيرة الانهيار العسكري للمليشيا مع كل مدينة تستعيدها القوات النظامية.
وفي ظل هذه المتغيرات، تتزايد التوقعات بأن تشهد الأيام المقبلة عمليات واسعة لاستكمال السيطرة على كامل الولاية، بما يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من العمليات العسكرية باتجاه ما تبقى من مواقع المليشيا في غرب كردفان ودارفور. وبين واقع الميدان وتبدل موازين القوى، تبدو معركة شمال كردفان أقرب من أي وقت مضى إلى نهايتها، في تطور قد تكون له انعكاسات كبيرة على مجمل مسار الحرب في السودان.
دارفور على مرمى حجر
ويرى الخبير العسكري اللواء (م) عاطف عواض أن ما تحقق في شمال كردفان يتجاوز حدود المكاسب الميدانية التقليدية، ويمثل تحولًا إستراتيجيًا في مسار العمليات العسكرية، موضحًا في حديث ل”ألوان” أن استيلاء الجيش على مخازن ضخمة للأسلحة والذخائر يعني عمليًا حرمان مليشيا الدعم السريع من أهم مصادر الإمداد التي كانت تعتمد عليها في الإبقاء على وجودها القتالي بالمنطقة. وأضاف أن القوات الموجودة في أم بادر وسودري ستجد نفسها أمام واقع عسكري بالغ الصعوبة، مشيرأ الى ان قوات المليشيا في بعض منهارة معنويا وليست لها القدرة على الصمود وبذلك تكون دارفور اصبحت على مرمى حجر من دخول الجيش والقوات المساندة إذ إن أي قوة تفقد مخزونها اللوجستي تصبح قدرتها على المناورة والمقاومة محدودة، مهما بلغ عدد أفرادها.
وأشار إلى أن الجيش بات يمتلك زمام المبادرة بصورة كاملة، بعد أن نجح في تأمين خطوط الإمداد والسيطرة على المحاور الرئيسة، مؤكدًا أن العمليات المقبلة ستكون أسرع وأقل كلفة من الناحية العسكرية، لأن الخصم أصبح يقاتل في ظروف من العزلة ونقص العتاد. وختم بالقول إن استكمال تحرير شمال كردفان سيشكل نقطة ارتكاز مهمة للانتقال إلى غرب كردفان، وسيزيد الضغوط على المليشيا في إقليم دارفور، بما يعيد تشكيل ميزان القوى لمصلحة الجيش على نطاق أوسع.
أفضلية الجيش
وأعتبر الخبير العسكري العميد (م) محمد فرح أن التطورات الأخيرة في شمال كردفان تمثل نقطة تحول حاسمة في مسار العمليات العسكرية، موضحًا أن السيطرة على مخازن الأسلحة والذخائر لا تقل أهمية عن تحرير المدن نفسها، لأن الجيوش تُقاس بقدرتها على المحافظة على الإمداد قبل قدرتها على خوض القتال. وأضاف في حديثه ل”ألوان” أن فقدان مليشيا الدعم السريع لهذه المخازن الضخمة يعني عمليًا انهيار منظومتها اللوجستية في شمال كردفان، الأمر الذي سيجعل القوات المتبقية في أم بادر وسودري تواجه نقصًا حادًا في الذخائر والعتاد، ويحد من قدرتها على المناورة أو تنفيذ هجمات مضادة. وأوضح أن الجيش بات يقاتل وفق معادلة عسكرية مختلفة، تقوم على عزل الخصم، وقطع خطوط تموينه، ثم التقدم المتدرج لتفكيك ما تبقى من جيوبه المسلحة، وهي إستراتيجية أثبتت فاعليتها خلال الأسابيع الماضية. وأشار إلى أن استكمال تحرير شمال كردفان سيؤمن طريق الصادرات بالكامل، ويوفر قاعدة انطلاق مستقرة نحو غرب كردفان، الأمر الذي سيزيد الضغط على المليشيا في بقية مسارح العمليات، ويمنح القوات المسلحة أفضلية إستراتيجية قد تنعكس على مجمل سير المعارك خلال المرحلة المقبلة.
الجيش مستمر في زحفه
وبين التقدم الميداني المتسارع والانهيار المتزايد في قدرات المليشيا القتالية، تبدو شمال كردفان على أعتاب مرحلة جديدة قد تُطوى معها آخر صفحات وجود الدعم السريع في الولاية. فمع خسارة المدن ومخازن السلاح وخطوط الإمداد، تتضاءل خيارات المليشيا العسكرية يوماً بعد آخر، بينما يواصل الجيش والقوات المساندة زحفهما بثبات نحو ما تبقى من معاقلها. لذلك ترى مصادر عسكرية أن تحرير سودري وأم بادر أمرا بات في حكم المؤكد خلال الساعات القادمة. والجيش مستمر في زحفه.
