
الفنان صديق الكحلاوي .. صوت سوداني خالد في الذاكرة
الفنان صديق الكحلاوي .. صوت سوداني خالد في الذاكرة
توثيق: صلاح الدين عبد الحفيظ
يُعد الفنان السوداني صديق الكحلاوي واحداً من الأصوات المميزة في الساحة الغنائية السودانية، حيث استطاع أن يترك بصمة واضحة من خلال أسلوبه الخاص وأدائه المتفرد. ومع حلول ذكرى وفاته التي حدثت في 27 يوليو 1991م، يستعيد محبوه إرثه الفني الذي جمع بين الأصالة والتجديد، ليبقى اسمه حاضراً في وجدان عشاق الأغنية السودانية.
برز صديق الكحلاوي ضمن جيل من الفنانين الذين اهتموا بتطوير الأغنية السودانية مع الحفاظ على جذورها، خاصة في مدرسة الأداء الصوتي التي تتطلب إمكانيات عالية. تميز بصوته القوي وقدرته على التنقل بين الطبقات الصوتية بسلاسة، إضافة إلى إحساسه العالي الذي مكّنه من إيصال المعنى العاطفي للنصوص الغنائية بشكل عميق. وقد عُرف عنه كسر النمط التقليدي في الأداء، ما جعله من الأصوات المختلفة التي لفتت الانتباه في مسيرة الغناء السوداني.
نشأ الكحلاوي في بيئة فنية وثقافية أسهمت في تشكيل تجربته. بدأ مسيرته الفنية في وقت مبكر، متأثراً بالتراث الغنائي السوداني، خاصة أغنيات الحقيبة، لكنه لم يتوقف عند هذا الحد، بل سعى إلى تطوير أسلوبه الخاص. عُرف عنه التواضع والبساطة في حياته، وكان قريباً من الناس، وهو ما انعكس في اختياراته الفنية التي لامست مشاعر الجمهور. ومع مرور الوقت، أصبح اسمه مرتبطاً بالأغنية الطربية ذات الطابع العاطفي العميق.
وتميّزت تجربة الكحلاوي الفنية بالتنوع، حيث تعامل مع عدد من الشعراء والملحنين الذين أسهموا في تشكيل مشروعه الغنائي. وقد عُرف بحسن اختياره للنصوص، إذ كان يميل إلى الكلمات ذات البعد الإنساني والوجداني، مبتعداً عن المباشرة. ومن أبرز تعاونه الفني تقديمه لأغنيات تحمل مضامين شعرية متميزة، مثل أغنية “ريدة زمان” التي كتبها الشاعر الفريق عمر قدور، والتي شكّلت نموذجاً لتجديده في اختيار النصوص وتقديمها برؤية موسيقية تجمع بين الحقيبة والحداثة.
كما اعتمد في أعماله على مزج الألحان التقليدية بروح معاصرة، ما جعله جسراً بين الأجيال المختلفة من مستمعي الأغنية السودانية.
ترك الكحلاوي رصيداً من الأغنيات التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور، ومن أبرزها: الصبا النجدي زارني وحرك وجدي، ريدة زمان، أذاني سرف دمعي بلاني، سامية عقد الريد انفرط، كمل صبري، قالوا علي شقي ومجنون، يا حبيبي أنا أمتى أراك.
وقد امتازت هذه الأعمال بقدرتها على التعبير عن مشاعر الحب والحنين، إلى جانب عمقها اللحني وتماسكها الفني، مما جعلها تعيش طويلاً رغم تغير الأذواق.
وبرحيل صديق الكحلاوي، فقدت الساحة الفنية السودانية صوتاً مميزاً وأحد رموز الأداء الطربي الأصيل. وقد شكّل خبر وفاته صدمة لمحبيه، خاصة أنه ترك إرثاً فنياً لم يكتمل بعد، لكنه ظل كافياً ليخلّد اسمه ضمن قائمة الفنانين الذين أثروا الوجدان السوداني. ورغم الغياب، فإن أعماله لا تزال تُستعاد في المناسبات، لتؤكد أن الفن الحقيقي لا يموت.
وفي ذكرى وفاته الخامسة والثلاثون، يبقى صديق الكحلاوي مثالاً للفنان الذي جمع بين الموهبة والصدق الفني، ونجح في تقديم تجربة غنائية متفردة. لقد رحل الجسد، لكن صوته لا يزال حاضراً، يردد تفاصيل الحنين ويمنح مستمعيه لحظات من الطرب الأصيل، ليظل اسمه جزءاً من ذاكرة الفن السوداني.
