
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (أعداء أنفسنا)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(أعداء أنفسنا)
عند حسن نجيلة… أيام حسن نجيلة والإنجليز، كان العمدة، من أي قبيلة، يهبط أم درمان. وفي أم درمان يهبط السوق. وفي السوق كان يدخل الدكان ذاته الذي كان يدخله أبوه.
وجده… الدكان المعتم الذي تفوح منه رائحة الزيت والصابون والقرض… والعمدة يخرج من الدكان وهو يحمل الدمورية، والمركوب. وفي الحلة العمدة يخلف كراعه، وهو فوق العنقريب، يقص مغامرته على المستمعين الذين يجلسون أمامه على الأرض… تمامًا كما كان أبوه يخلف كراعه فوق العنقريب، وهو يقص مغامرته على آباء الجالسين هؤلاء، و…
والنسخة هذه تظل تتكرر.
ونسخة البيت… بيت الجالوص المغطى بالزبالة… روث الحمير… نسخة تتكرر.
والكسرة، وملاح الويكة، التي كانت هي طعام أجدادنا وأجدادهم… تتكرر.
والعراقي، والمركوب، والطاقية… نسخة تتكرر.
والودك، وثوب الزراق، والماعز في الطرقات، والحمير… نسخة موروثة… موروثة… موروثة.
كان… هذا هو السودان.
كان، وظل، وما فتئ، وما انفك، و… و…
بقاء هو بقاء الرسم على حائط كهف من آلاف السنين.
ثم لا أحد يخطر له أن يبدل شيئًا، لسبب بسيط، هو أنه لا أحد يشعر بوجود العالم حوله.
…..
والصورة هذه، ما تبدل فيها هو الصورة… والروح هي… هي.
وتلفت أنت حولك…
……
والعربية أُنزلت من السماء كما هي الآن… كاملة.
والسودان يحتفظ بها.
.. وكل شيء يصنعه الإنسان… عملًا أو فكرًا… هو شيء ناقص.
والناس يعودون إليه، يصلحون النقص فيه… إلا اللغة العربية.
والصورة الأولى دائمًا ناقصة، يجري تعديلها، ثم تعديلها… عدا اللغة العربية.
فأغرب ما في العربية هو أن المرجع فيها هم الأميون في البادية…
الأميون في البادية يتحدثون بالسليقة عربية لا خطأ فيها.
ولا خطأ فيها، إلى درجة أن أهل العلم يصححون علمهم بسؤال جهلة العربية، الأميين في البادية.
وطه حسين جعله الإنجليز عميدًا للغة العربية لأنه، في كتابه **حديث الأربعاء**، كان يتجه إلى التشكيك في صحة نسبة العربية إلى إسماعيل، وإلى التشكيك في كمالها، لكن…
سكرتير طه حسين يقول إن الرجل كان يتراجع في آخر عمره عن كل ما جاء في كتابه هذا.
ويقول إنه، في نهاية عمره، كان لا يسمع… وكانوا يقرؤون له الكتب… كان لا يسمع إلا كتاب الله.
ومصر ظلت طوال النصف الأول من القرن العشرين هي محط معركة حارقة حول اللغة العربية.
وإلى درجة أن البعض حاول أن يجعل من سلامة موسى لواءً يُرفع في الحرب، والسبب هو أن سلامة موسى كان يدعو لإلغاء اللغة العربية في التعامل… في خطوة لإلغائها في المجتمع.
الأمر الذي نجح بالفعل في دول أخرى.
وفي الحرب كانوا يضربون الطبل لجورجي زيدان، وجورجي زيدان كان يصدر الروايات الضخام حول التاريخ الإسلامي، ويجعله حكايات غرام وقتال… لا أكثر.
وكانت المحاولة التي تقودها أديان أخرى تبلغ قوتها فرض روايات جورجي زيدان على جميع مكتبات المدارس… حتى تخرج أجيال لا ترى في التاريخ الإسلامي أكثر من أنه قصص حب…
الآن مواقع الاتصالات، آلاف، تتجه إلى التشكيك في اللغة… ثم بعدها يأتي التشكيك في القرآن.
