من كردفان إلى أبو ظبي .. بدء العد التنازلي لحميدتي والمليشيا

من كردفان إلى أبو ظبي .. بدء العد التنازلي لحميدتي والمليشيا

تقرير: مجدي العجب

لم يكن الظهور الأخير لقائد مليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، مجرد خطاب موجه إلى قواته، بل بدا أقرب إلى محاولة لاحتواء أزمة تتفاقم ميدانيًا وتنظيميًا ونفسيًا. فمنذ اللحظات الأولى للكلمة، طغت على ملامحه علامات الإرهاق والاضطراب، بينما جاءت عباراته محملة بإشارات غير مألوفة، تضمنت اعترافًا ضمنيًا بصعوبة الموقف، وإقرارًا بوجود اختراقات داخل قواته، ودعوات متكررة لإعادة الانضباط ومنع تصوير المعارك، في مشهد عكس حجم الضغوط التي تواجهها المليشيا بعد الانتكاسات الأخيرة في محاور شمال كردفان. وتزامن هذا الظهور مع تداول تقارير تحدثت عن تدهور الحالة الصحية لحميدتي عقب وعكة قد تعرض لها، ونُقل على إثرها إلى أبوظبي لتلقي العلاج، وسط معلومات مؤكدة حول معاناته من مشكلات صحية معقدة. فتزامن هذه المعلومات مع ظهوره الأخير وما بدا عليه من انفعال وإجهاد أثار تساؤلات واسعة حول مدى تأثير الضغوط العسكرية والخلافات الداخلية على حالته الشخصية وقدرته على إدارة المعركة.

 

 

وبينما حاول حميدتي أن يبعث برسائل صمود إلى مقاتليه، جاءت مفردات خطابه ولغة جسده لتوحي بعكس ذلك؛ إذ بدا منشغلًا بالدفاع عن تماسك قواته أكثر من حديثه عن تحقيق مكاسب ميدانية، وهو ما اعتبره مراقبون انعكاسًا مباشرًا لحجم الخسائر التي تعرضت لها قواته في كردفان، وللتحديات المتصاعدة التي تواجه قيادة المليشيا في هذه المرحلة من الحرب.
واحتوى تقرير طبي مسرب على معلومات خطيرة تفيد بتدهور الحالة الصحية للسفاح حميدتي بعد الوعكة الأخيرة التي تعرض لها ونقل على إثرها للعلاج في أبوظبي. وكشف التقرير عن ضعف كبير في نبضات القلب مما يتطلب إجراء جراحة عاجلة، بالإضافة إلى معاناة السفاح من إلتهاب الكبد الوبائي في مراحل متأخرة وأمراض أخرى.
ونقل حميدتي إلى أبوظبي على وجه السرعة بعد تعرضه لإغماءة مفاجئة عقب اجتماع لما يسمى بمجلس الأمن والدفاع وخروجه في خطاب انفعالي بسبب الهزائم الساحقة لقواته في محور كردفان ودخوله في نقاش حاد مع عبد الرحيم دقلو المسؤول الأول عن العمليات العسكرية، واتهامه خلال الاجتماع بالتهاون والتفريط واتخاذ القرارات الخاطئة.

 

كلام والسلام

 

ويقول الاكاديمي والمحلل السياسي دكتور محي الدين محمد محي الدين: أن الخطاب الأخير لقائد قوات الدعم السريع جاء مختلفًا عن خطاباته السابقة، إذ غلبت عليه لهجة دفاعية أكثر من كونها هجومية، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي فرضتها التطورات الميدانية الأخيرة في شمال كردفان. وأضاف في حديثه ل”ألوان” أن الإقرار بوجود اختراقات داخل القوات، والدعوة إلى تشديد الانضباط ومنع تصوير العمليات، تعد مؤشرات على أن القيادة باتت منشغلة بالحفاظ على تماسك التنظيم أكثر من التركيز على تحقيق مكاسب عسكرية جديدة.
ويضيف أن لغة الجسد ونبرة الحديث أوحتا بوجود إرهاق واضح وضغط نفسي كبير، وهو ما ينسجم مع طبيعة المرحلة التي تمر بها قوات الدعم السريع بعد خسائرها الأخيرة. وفيما يتعلق بحالته الصحية قال محي الدين: الأمر بدأ واضحا في ملامحه حيث أنه يعاني من اضطراب نفسي لا تخطئه العين وانما حاول اخفاؤه ولكنه ظهر جليا حتى على مستوى الخطاب غير المتماسك.

الهزائم فاقمت حالته الصحية

 

فيما يرى مراقبون استنطقتهم “ألوان” أن الخطاب الأخير لقائد الجنجويد “حميدتي” لم يحمل ملامح قائد يتحدث من موقع المبادرة، بل جاء أقرب إلى خطاب احتواء أزمة داخلية فرضتها التطورات العسكرية الأخيرة في كردفان. فبدلًا من التركيز على تحقيق إنجازات ميدانية، انصب جزء كبير من حديثه على معالجة ما وصفه بالاختراقات داخل قواته، والدعوة إلى الانضباط، ومنع تصوير المعارك، وهي رسائل تعكس، بحسب هذا التقدير، قلقًا متزايدًا بشأن تماسك القوة أكثر من انشغالها بتوسيع رقعة العمليات.
ويشير هذا الرأي إلى أن لغة الخطاب، إلى جانب ملامح الإرهاق والانفعال التي بدت خلال الظهور، تعكس حجم الضغوط التي تواجه قيادة الدعم السريع بعد خسائرها الأخيرة في محاور كردفان.
واضافوا من خلال ملامح الوجه واضح ان قائد المليشيا مرهقا جدا ويعاني من اضطرابات صحية باللضافة للخلافات التي بانت بين كلماته.

 

مرحلة ما قبل الانهيار

 

اذاً يمكننا القول بأن خطاب قائد المليشيا أمس الأول يكشف عن مرحلة تبدو مختلفة في مسار الحرب؛ مرحلة تتزايد فيها الضغوط العسكرية والتنظيمية على قيادة مليشيا الدعم السريع، وتفرض عليها الانتقال من خطاب الهجوم إلى خطاب الدفاع عن التماسك الداخلي. وبينما لا تزال الأنباء المتداولة بشأن حالته الصحية، فإن ظهوره الأخير وما صاحبه من رسائل ونبرة انفعالية يشير إلى أنه يعاني من شيء ما ومع ذلك ان الرسائل والنبرة الانفعالية فتحا بابًا واسعًا للتساؤلات حول قدرة قيادة المليشيا على التعامل مع المتغيرات المتسارعة في الميدان، خاصة بعد التطورات التي شهدتها جبهات كردفان، والتي قد يكون لها أثر يتجاوز حدود المعركة إلى مستقبل توازنات الصراع بأكمله.