
د. حسن محمد صالح يكتب: تحرير جبرة الشيخ .. نهاية المليشيا (٢)
موقف
د. حسن محمد صالح
تحرير جبرة الشيخ .. نهاية المليشيا (٢)
جاء في الحلقة الأولى أن تحرير جبرة الشيخ يعني نهاية مليشيا التمرد، وقد ظهرت أهمية جبرة الشيخ في الكميات الهائلة من الأسلحة والذخائر والعتاد والسيارات وقطع الغيار التي تركتها مليشيا آل دقلو الإرهابية خلفها وهي تهرب من جبرة الشيخ.
اتخذت المليشيا منازل المواطنين ومؤسسات الدولة مقار عسكرية ومخازن أسلحة، حتى مستشفى جبرة الشيخ الذي يوفر الخدمات العلاجية لمواطني محلية جبرة الشيخ تم تحويله إلى ثكنة عسكرية.
ما رأي والي شمال كردفان عن حكومة تأسيس التابعة للدعم السريع، حامد محمد حامد، في هذا الإلغاء الشامل لحياة الناس والإطفاء التام لأي وجود مدني في كل مدن محلية جبرة الشيخ؟
حامد محمد حامد الذي رضي بأن يكون والياً لمليشيا تأسيس على شمال كردفان عينه التعايشي، وهو ابن سودري الكبرى وعمدة في قبيلة الكبابيش!
جبرة الشيخ سالم:
الشيخ الذي تحمل جبرة اسمه هو الشيخ سالم فضل الله محمد علي نور (١٧٠٠-١٧٧٠م)، صار الشيخ سالم شيخاً على قبيلة الكبابيش بعد مقتل محمد ود الثاني ابن أخيه الشيخ الثاني فضل الله. وقعت حادثة مقتل الشاب محمد ود الثاني في منطقة المجر إلى الشرق من جبرة الشيخ إثر غارة على فريق الكبابيش الذي كان به محمد ود الثاني والنساء والأطفال بعد أن بقي القتيل في العقاب وتوجه الرجال إلى مدامرهم القديمة بالعفاط.
اشتهر الشيخ سالم بأنه صاحب خطة الناقة الرايحة (ضائعة)، جاء يسأل عنها ويقوم بوصفها في كل حي أو فريق يصل إليه، ومن خلال هذه المكيدة اطلع على أحوال الناس، ثم رجع إلى أهله واستولوا بخيلهم على منطقة الصافية الحالية، وكان ذلك ضمن ما يعرف بتبريد الدار التي كانت حارة مثل النار.
شهدت جبرة الشيخ سالم عدة عقالات، والعقال هو أن تقوم القبائل بعقال إبلها وقت القتال، والقبيلة التي انتصرت في المعركة تغنم إبل القبيلة المهزومة.
وقعت معظم المعارك في هذه المنطقة بين الكبابيش وبني جرار وغيرهم من القبائل، وكان وصول النوراب الكبابيش إلى جبرة وتأمينها بالكامل عقب معركة أم حنيك غرب أم درمان نتيجة لحلف الكبابيش والجموعية ضد السلطان هاشم أحد سلاطين المسبعات القادم من منطقة شندي وقبائل أخرى قام السلطان بتجميعها لإبادة الكبابيش.
جبرة الشيخ اشتهرت بأنها عرفت أحداثاً جسيمة في تاريخ الكبابيش، وقيل إن حادثة اعتقال الشيخ التوم فضل الله سالم (١٨٣٠-١٨٨٥م) بواسطة قوات المهدي حدثت في جبرة الشيخ، وفي رواية أخرى في أم بادر، ولكن المؤكد هو تمرد الشيخ صالح جلطة على المهدية وقع انطلاقاً من الصافية التي كان يتخذها عاصمة له إثر خلافه مع أخيه الأصغر الشيخ التوم.
وما حدث أن الشيخ التوم فضل الله سالم تم إعدامه في منطقة خورطقت بالأبيض، وتزامن ذلك مع إعدام المهدية، أو بالأحرى الخليفة عبد الله التعايشي، لشيخ الرزيقات مادبو في الأبيض نفسها بعد اعتقاله وإحضاره من دارفور منطقة الضعين الحالية.
كان عهد السير علي التوم هو عهد سلام وتعايش بين قبيلة الكبابيش والقبائل الأخرى في كردفان ودارفور، خاصة قبائل دار حامد والحمر وبني جرار والميدوب والزغاوة.
معظم هذه القبائل وقعت بينها وبين الكبابيش حروب ومعارك أثناء فترة المهدية وقبلها، ولكن السير علي التوم كان رجل سلام وتعايش وتراضٍ إداري كبير عندما خيّر قبائل التبع بين الاستمرار في تبعيتها لنظارة الكبابيش أو أن تقوم بذاتها.
يعتبر الشيخ علي التوم مؤسساً لقبيلة الكبابيش، وعرف عنه أنه بعد معركة كرري وتعيينه ناظر عموم قام بتجميع شتات قبيلة الكبابيش التي كانت محطمة ومدمرة نتيجة للسياسات التي مورست ضدها بواسطة المهدية. وفي المسير الغربي للشيخ الناظر السير علي التوم وصل إلى جبرة الشيخ ومكث بها عاماً واحداً، وكان ذلك العام نزولاً لرغبة إحدى عماته تدعى بت قريش، ثم رحل لأن هدفه كان الوصول إلى آخر نقطة يوجد بها الكبابيش.
ثم انتقل من جبرة إلى شعبة كجمر التي اشتهرت بمولد ابنه محمد الشهير بالمر (بضم الميم) في العام ١٩٠٩م. ومن كجمر إلى حمرة الوز، ثم سودري، ومن سودري إلى منطقة أم زيد الشهيرة بوفرة الماء، وظل بها مدة من الوقت.
وصل السير علي التوم حمرة الشيخ في العام ١٩٢٠م بعد عودته من لندن ضمن وفد زعماء القبائل والطوائف ورجال الدين الذين ذهبوا لتهنئة الملكة فكتوريا بالانتصار في الحرب العالمية الثانية. وكان ذلك حدثاً من الأحداث الغربية، وهو سفر الشيخ من بدايته وعودته، وكان العرب يطلبون منه أن يقص عليهم الرحلة، وسألوه عن ثروات ملك الإنجليز، وعندما عرفوا أنه لا يملك إبلاً سخروا منه.
بعد أن اكتشف الكبابيش فرع البرابرة مجموعة من الآبار في حمرة الشيخ تعود إلى عصر ما قبل البعثة المحمدية، كما يؤرخ شيخ عيسى الفكي صالح عليه رحمة الله بهذا التاريخ لوجود كثير من الشواهد الأثرية والصور والآبار التاريخية في المنطقة.
تمتد دار الكبابيش شرقاً حتى العاصمة القومية، وتعتبر هذه الدار وهذا الوجود هو الحماية وتأميناً للخرطوم من جهة الغرب، وهي المنطقة التي مرت بها قوات حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل إبراهيم في غزوها الخرطوم في عملية الذراع الطويل، وتم اكتشافها في كل موقع أو وادٍ أو منحنى دخلت إليه في بادية الكبابيش، وتم التبليغ عنها حتى لحظة دخولها أم درمان عند الثالثة ظهر السبت أغسطس ٢٠٠٨م، مما سهل القضاء عليها وتدميرها بواسطة القوات المسلحة.
ظلت جبرة الشيخ جزءاً من محافظة سودري الكبرى أو منطقة شمال كردفان بعد انفصال سودري إدارياً عن بارا في سبعينيات القرن العشرين.
وبعد إعادة تقسيم المحافظات، وفي عهد والي شمال كردفان الشيخ إبراهيم محمد السنوسي، صارت جبرة الشيخ محافظة قائمة بذاتها.
تماهت الإدارة الأهلية مع التقسيم الإداري، وتم تعيين الشيخ جامع علي التوم عليه رحمة الله وكيلاً للناظر بجبرة الشيخ.
جاء احتلال مليشيا التمرد لجبرة الشيخ مع بداية الحرب، وبدأ باستهداف المواطنين ونهب الثروة الحيوانية التي تعج بها جبرة الشيخ في مناطق الشعطوط وأبو جداد والحجاب وأم ندرابة وكجمر وغيرها.
بدأت حركة نزوح واسعة من جبرة الشيخ التي تزايد عليها ضغط مليشيا آل دقلو الإرهابية بعد هزيمتها وانسحابها من العاصمة القومية وجبل أولياء.
وقعت سودري الكبرى، سودري وجبرة الشيخ، في براثن التمرد بما في ذلك محليتا جبرة الشيخ وسودري ووادي الملك حتى مشارف الدبة بالولاية الشمالية.
بعد تقدم القوات المسلحة غرباً حتى رهيد النوبة، تم تركيز المليشيا المتمردة على جبرة الشيخ، وعينت لها أحد القادة الميدانيين الذين شاركوا في حرب اليمن، وجعلت المليشيا من قواتها في جبرة الشيخ قوات فزع والتفاف على بارا والأبيض، وقد ساهمت سرعة وصول الإمداد من ليبيا وتشاد في تقوية المليشيا بجبرة الشيخ.
من الأهمية بمكان القول بأن تحرير جبرة الشيخ من قبضة مليشيا التمرد هو وليد اللحظة، أو نتيجة للهجوم المتزامن الذي قام به الجيش على بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ ورميها بقوس واحد، ولكن خطورة جبرة الشيخ جعلت القوات المسلحة تضعها على سلم الأولويات وتخوض مع المقاومة الشعبية بالمنطقة عدة معارك، وتقدم الشهداء والجرحى والمفقودين من أبناء جبرة الشيخ.
وقعت أهم هذه المعارك التدميرية للمليشيا، وهي خسارة ماحقة ألحقتها القوات المسلحة بقوات المليشيا في جبرة الشيخ نتيجة كمين محكم في أحد الأودية الواقعة إلى الشرق من جبرة الشيخ، وتم وصف هذا الكمين بأنه قاصم الظهر للمليشيا.
ختاماً:
عودة جبرة الشيخ إلى حضن الوطن تعني عودة الإنتاج وفتح طريق الصادرات.
عودة المزارعين إلى مزارعهم وعودة الدخن والسمسم. ومن حسن الطالع أن التحرير تم مع بداية الخريف، مما يقتضي دعم حكومة ولاية شمال كردفان والبنك الزراعي السوداني لمزارعي جبرة الشيخ لإنجاح الموسم الزراعي، ورجوع المواطنين من دار السلام إلى مزارعهم ومراعيهم بجبرة الشيخ.
