الكاميرا الجارحة .. عرب مول Arab Mall

*الكاميرا الجارحة*

*عرب مول Arab Mall*

إني أعترف بأن جمال ورصانة وعذوبة القصيدة العربية المقفاة من لدن امرئ القيس، حسان بن ثابت، الخنساء، جرير، الفرزدق، المتنبي، المعري، أبو تمام، البحتري، شوقي، الجواهري، العباسي، التيجاني يوسف بشير، محمد المهدي المجذوب وإدريس جماع والقائمة تطول. نعم إني أعترف وأقر بأن هذا الجمال المطلق قد أرهقنا والمرء مجبولٌ على أن يهرب أحيانًا من قيد الأصالة والرصانة والمثالية إلى عوالم أخرى من الشطحات والتبذل الحميد والتنازلات في المشاعر والشعر والفنون متعللين بالأثر الشريف والذي نرجو أن نكون مُحقِين في تأويله (ساعة فساعة). فقد كنت زمانًا أتلصص معجبًا بحذر بشعر التَفعِيلة وجرأته في الخروج على التقليد وتعجبني عبارة صلاح أحمد إبراهيم الشهيرة: نحن مجموعة من الشعراء الشباب المُجددين من الذين كسروا عمود الشعر العربي التقليدي (طَقّ) وممن كانوا يأخذون بتلابيب عواطفنا إعجابًا السياب، نزار قباني، صلاح أحمد إبراهيم، محمد المكي إبراهيم، الماغوط، أحمد مطر، محمود درويش، التيجاني سعيد في قصائده البرمائية وأخيرًا الراحل الفلسطيني مريد البرغوثي وابنه تميم ومن قصائد الأب المُعبرة بذكاء وصدق وجرأة عن الراهن العربي قصيدته القصيرة القامة الفارعة المعنى (مقومات) والتي تقول هامسة وقارصة: الكوكاكولا، تشيزمانهاتن، جنرال موتورز، كريستيان ديور، ماكدونالدز، شل، دايناستي، هيلتون انترناشينال، سانجام، كنتاكي فرايد تشكن، الغاز المسيل للدموع والهراوات، والمباحث، قال ابن خلدون: هذه مقومات الدولة عند العرب.
وقد استهوت القصيدة الكثير من الكُتاب في الشعر والسياسة والمقال الصحفي والسخريات الصغيرة، فالكثيرون جعلوها مقياسًا للنقد للمجتمعات الاستهلاكية العربية التي أورثتنا السقوط وأرجعتنا القهقرى وأفرغت مخازن أسلحتنا بعد أن أصابها الصدأ تجارة رابحة لتاجر (الخُردة) وجعلت أرصدتنا من حصاد النفط تمويلًا في بنوك الصهاينة يستغلونه في هجمة مرتدة لشراء ذمة الحكام والنخب والأحزاب وبيع دماء الشعوب. ومن التعريفات الشائعة عن المثقف العربي الذي اختار بطواعية تحت انحداره الأخلاقي وخيانته لأمته ليصبح بطانة وكومبارس في بلاط السلطان العربي المفروض المرفوض، هذا المخلوق الموشى ذهبًا الذي أصبح لا يُجِيدُ موهبة الانتصار ولا فن الهزيمة. قال الشاهد: نهض هذا المثقف العربي من نومه قلقًا وبعد أن راجع مفكرة المواعيد بالآيفون النسخة الأمريكية، فقد تذكر اجتماع سيده مع ممثل الاتحاد الأوروبي، فذهب إلى الحمام التركي واغتسل بالشامبو الفرنسي ولبس ثيابه الكورية، وامتطى حذاءه الإيطالي وكان أن ينسى ساعته السويسرية الفاخرة وقدمت له خادمته الفلبينية فطوره الإنجليزي المُحلَى بالعسل البلغاري والجبنة الدينماركية بعدها أتت له بقهوته البرازيلية وأخذ يحتسيها تحت ظلال السيموفونية السابعة لبيتهوفن، وطلب من السائق الهندي أن يحضر له سيارته الألمانية وأخرج أوراقه من حقيبته الإسبانية واستأذن أميره بعد اجتماعه بالسفير الأمريكي لإلقاء محاضرة بعنوان: (مقاطعة الغرب والاعتماد على الذات).

*حسين خوجلي*