
محاولة انقلابية في تشاد .. حرب السودان تهز عرش كاكا
محاولة انقلابية في تشاد .. حرب السودان تهز عرش كاكا
تقرير: كمال عوض
لم تعد حرب السودان بالنسبة إلى تشاد مجرد أزمة تجري خلف حدودها الشرقية. فالدولة التي اتُّهمت دولياً بفتح أراضيها ومطاراتها أمام خطوط إمداد قوات الدعم السريع، وجدت نفسها خلال العامين الماضيين أمام ارتدادات أمنية وسياسية متزايدة، وصلت إلى اشتباكات داخل أراضيها وسقوط جنود تشاديين، فيما تتحدث معلومات استخبارية وعسكرية عن محاولة انقلابية استهدفت الرئيس محمد إدريس ديبي إتنو «كاكا» في ليلة 9 إلى 10 سبتمبر الجاري، وذلك بعد صراعات داخل دوائر الحكم، وخلافات حول المؤسسة العسكرية، وتوترات مرتبطة مباشرة بالحرب السودانية وعلاقة نجامينا بمليشيا الدعم السريع وحلفائها الإقليميين.
انقلاب في الظل
وبحسب المعلومات الاستخبارية والعسكرية المتداولة، بدأ التحضير للتحرك قبل وقت من ليلة 9 سبتمبر، وأن الهدف كان إزاحة محمد كاكا وإعادة ترتيب موازين السلطة داخل تشاد. وتشير المصادر إلى أن معلومات وصلت إلى القيادة التشادية بشأن التحرك، ما أدى إلى إجراءات أمنية حالت دون انتقاله إلى مرحلة أوسع. وتتضمن الأخبار المتداولة تحركات داخل الدائرة العسكرية والأمنية، وحديثاً عن مراقبة محيط القصر الرئاسي وتحليق مسيّرة مجهولة فوق المنطقة في تلك الليلة، دون أن تكون هوية الجهة التي تقف وراءها قد حُسمت بصورة مستقلة. لكن أهمية الرواية لا تكمن فقط في تفاصيل العملية المفترضة، وإنما في أنها تأتي وسط اضطراب داخل الدائرة المحيطة بالرئيس. فقد نشرت «أفريكا إنتليجنس» في 8 سبتمبر معلومات عن مغادرة الجنرال طاهر إردا، رئيس المديرية العامة لأمن المؤسسات الحكومية، البلاد لأسباب صحية، ثم تحدثت في 10 سبتمبر عن إنشاء شركة حكومية لإنتاج وتجميع المعدات العسكرية. والمحاولة الانقلابيون الأخيرة، هي أحدث حلقة في تاريخ طويل من الصراعات المسلحة والانقلابات ومحاولات تغيير السلطة في تشاد، لكنها تأتي هذه المرة فوق ملف إقليمي شديد الانفجار: حرب السودان.
من دولة جوار إلى ممر للحرب
أخطر ما يواجه نظام محمد كاكا أن الاتهامات الموجهة إلى تشاد لم تعد صادرة فقط عن خصوم سياسيين أو أطراف سودانية، وإنما ظهرت في تقارير أممية ودولية متعددة. ففي تقريره الصادر عام 2024، قال فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن السودان إن المعلومات التي جمعها من مصادر في تشاد ودارفور جعلت الاتهامات المتعلقة بوصول أسلحة وذخائر إلى مطار أم جرس شرقي تشاد، ثم نقلها براً إلى مليشيا الدعم السريع، ذات مصداقية. وبحسب التقرير، تحدثت مصادر محلية وإدارية وجماعات مسلحة في شرق تشاد ودارفور عن وصول طائرات شحن إلى أم جرس عدة مرات أسبوعياً، وتفريغ أسلحة وذخائر منها، ثم نقلها في شاحنات عبر مسارات برية إلى الحدود السودانية. وخلص التقرير إلى أن خطوط الإمداد الجديدة عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان كانت أحد العوامل التي ساعدت الدعم السريع على تعزيز قدراته العسكرية والسيطرة على مساحات واسعة من دارفور. ولم تتوقف التقارير عند أم جرس. فقد وثقت «هيومن رايتس ووتش» مساراً استخدمت فيه أم جرس كنقطة عبور للأسلحة والمعدات المتجهة إلى الدعم السريع، كما أشارت إلى انتقال مقاتلين عبر نجامينا في طريقهم إلى مناطق القتال في دارفور. وفي يوليو 2026، ذهبت تحقيقات «رويترز» أبعد من ذلك، إذ تتبعت طائرات بوينغ مرتبطة بشركات تعود إلى متعاقد عسكري أميركي سابق، وقالت إن هذه الطائرات تحركت بين تشاد وليبيا ومراكز الإمداد التابعة للدعم السريع في دارفور. وأظهرت صور الأقمار الصناعية أن طائرات من هذه الشبكة كانت موجودة في القسم العسكري من مطار نجامينا.
وفي الشهر نفسه، نقلت «رويترز» عن مسودة تقرير أممي أن ثلاث طائرات بوينغ 727 ظهرت في تشاد منذ نوفمبر 2024، وأن التحقيقات خلصت إلى استخدام ممر جوي بين نجامينا ونيالا لنقل مقاتلين ومرتزقة ومعدات عسكرية، بينها مسيّرات وأسلحة، إلى دارفور. وهكذا لم تعد قصة تشاد والدعم السريع مجرد اتهام سياسي؛ فقد أصبحت جزءاً من سلسلة تقارير وتحقيقات دولية تتحدث عن بنية إمداد عابرة للحدود.
الأمم المتحدة تضع تشاد داخل شبكة الإمداد
وفي سبتمبر الجاري، جاءت أحدث الإشارات الدولية أكثر وضوحاً. فقد قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان إن شبكات عابرة للحدود، تضم أفراداً وكيانات تعمل من دول بينها تشاد وليبيا، أسهمت في توفير أسلحة ومعدات ولوجستيات وتدريب وأفراد أجانب لقوات الدعم السريع. كما تحدث التقرير عن مقاتلين من تشاد بين العناصر الأجنبية التي جرى تجنيدها ونقلها إلى ساحات القتال. وفي 16 سبتمبر، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى محاسبة الدول التي تقدم الأسلحة والدعم لتأجيج الحرب في السودان، محذراً من أن التدخل الخارجي يطيل الحرب ويزيد قدرتها على ضرب المدنيين.
المليشيا تشتبك مع تشاد
المفارقة أن تشاد، التي تتهمها تقارير دولية بتسهيل خطوط إمداد لمليشيا الدعم السريع، لم تسلم من ارتداد الحرب على قواتها. ففي يناير 2026، هاجمت مليشيا الدعم السريع قوات تشادية داخل الأراضي التشادية، في حادثة قالت مجموعة «كريتيكال ثريتس» إنها زادت التوتر بين الجانبين. وذكرت المجموعة أن سبعة جنود تشاديين قتلوا في الهجوم، وأن مسؤولين أمنيين تشاديين انتقدوا سياسة محمد كاكا تجاه مرور شحنات إمداد، بينها أسلحة ومسيّرات، عبر تشاد إلى الدعم السريع. وبعد أسابيع، انفجرت الحدود مجدداً. ففي فبراير، أغلقت تشاد حدودها مع السودان بعد اشتباكات في منطقة تيني أسفرت عن مقتل خمسة جنود تشاديين وثلاثة مدنيين وإصابة 12 آخرين. وقالت مصادر تحدثت إلى «رويترز» إن القتال جاء على خلفية المواجهات بين الدعم السريع ومجموعات موالية للجيش السوداني قرب الحدود، وإن الحرب السودانية تواصل تسريب عنفها إلى الأراضي التشادية. ولم تعد المسألة عند هذا الحد مجرد خطر محتمل، فقد أصبحت القوات التشادية نفسها تدفع ثمناً أمنياً مباشراً للحرب.
خلافات داخل تشاد
هنا تظهر التداعيات الأكثر خطورة بالنسبة إلى محمد كاكا. فالمؤسسة العسكرية والأمنية التي يعتمد عليها النظام لحماية السلطة تواجه حرباً تمتد على حدودها، في الوقت الذي ترتبط فيه تلك الحرب بشبكات إمداد تمر عبر الأراضي التشادية. وتشير دراسة لمركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى أن حكومة محمد كاكا سهّلت، وفق تقارير وتحليلات مفتوحة المصدر، دعماً لمليشيا الدعم السريع منذ 2023، وأن هذا الانخراط عمّق الانقسامات داخل تشاد، خصوصاً داخل مجتمع الزغاوة ومجموعات أخرى في شرق البلاد ترتبط تاريخياً بدارفور. وتبدو هذه النقطة شديدة الحساسية؛ فالزغاوة، التي تمثل إحدى المكونات الرئيسية في تركيبة السلطة التشادية، لها امتدادات اجتماعية وقبلية عميقة داخل دارفور، كما أن مليشيا الدعم السريع ارتبطت بقتال عنيف ضد مجموعات من الزغاوة في غرب السودان. وبحسب تحليل «كريتيكال ثريتس»، تعرضت سياسة محمد كاكا تجاه الدعم السريع لانتقادات من مسؤولين أمنيين تشاديين، فيما خفّضت تشاد مستوى دعمها للدعم السريع خلال 2025 تحت ضغط هذه التناقضات، قبل أن تبقى البلاد جزءاً مهماً من شبكة الإمداد الإقليمية. وهنا يصبح السؤال عن الانقلاب أكثر إثارة: هل كانت محاولة تغيير السلطة، إن صحت الرواية، مجرد صراع على الحكم، أم أن حرب السودان أصبحت أحد الملفات التي تغذي الصراع داخل مؤسسات القوة في نجامينا؟
حفتر .. خط الإمداد الآخر
ولا تكتمل صورة شبكة الدعم من دون ليبيا. فشرق ليبيا، الذي تسيطر عليه قوات خليفة حفتر، أصبح جزءاً مهماً من طرق الإمداد المتجهة إلى الدعم السريع، خصوصاً مع تراجع أهمية أم جرس التشادية لاحقاً وظهور الكفرة ومناطق جنوب ليبيا كمراكز أساسية للحركة اللوجستية. وتقول «هيومن رايتس ووتش» إن ثلاث أرباع الرحلات التي رصدتها رويترز بين الإمارات وأم جرس منذ اندلاع الحرب استخدمت شركات طيران سبق أن ربطها فريق أممي بجهود نقل أسلحة إلى القوات الليبية التي يقودها حفتر. كما تشير إلى انتقال مركز الثقل لاحقاً نحو جنوب ليبيا. وبذلك تتقاطع ثلاثة مسارات حول حرب السودان: الإمارات كمصدر رئيسي متهم بتقديم الدعم، وتشاد وليبيا كممرات ومراكز لوجستية، والدعم السريع باعتباره المستفيد العسكري من هذه الشبكة، وفق ما خلصت إليه تقارير وتحقيقات دولية متعددة.
حرب السودان تهز عرش كاكا
لهذا تبدو محاولة الانقلاب، أكثر من حادث أمني في العاصمة التشادية. فهي تظهر في دولة باتت الحرب السودانية جزءاً من أمنها الداخلي، وأصبحت حدودها ومطاراتها مرتبطة في تقارير دولية بشبكات إمداد لقوة تقاتل داخل السودان. والمشكلة بالنسبة إلى محمد كاكا أن المعادلة التي ربما بدت في بدايتها فرصة لتعزيز نفوذ تشاد الإقليمي تحولت إلى مصدر ضغط متزايد: اتهامات دولية، خطوط إمداد مثيرة للجدل، اشتباكات مع قوات الدعم السريع نفسها، قتلى من الجيش التشادي، وانقسامات داخلية حول كلفة الانخراط في حرب الجار. وفي الوقت الذي تتحدث فيه المعلومات الأمنية عن محاولة انقلابية داخل العاصمة، تبدو حدود تشاد الشرقية وكأنها تحمل إلى نجامينا جزءاً من نار الحرب التي ساعدت، وفق تقارير دولية، على إمدادها. وإذا كانت الحرب قد صنعت لمليشيا الدعم السريع طرقاً عبر تشاد وليبيا، فإنها في المقابل صنعت داخل تشاد سؤالاً أكثر خطورة: إلى أي مدى يستطيع محمد كاكا إدارة شبكة التحالفات العسكرية والإقليمية المرتبطة بالسودان، من دون أن تنقلب تداعياتها على عرشه؟.
