البروفيسور التجاني عبد القادر .. سيرة عالم سوداني جمع بين السياسة والفكر الإسلامي

البروفيسور التجاني عبد القادر .. سيرة عالم سوداني جمع بين السياسة والفكر الإسلامي

بقلم: كمال عوض

غيب الموت، بالعاصمة القطرية الدوحة، المفكر والأكاديمي السوداني البروفيسور التجاني عبد القادر حامد، عن عمر ناهز 75 عاماً، بعد علة مرضية قصيرة، تاركاً وراءه مسيرة أكاديمية وفكرية امتدت لعقود، انشغل خلالها بقضايا السياسة والفكر الإسلامي والدولة والمجتمع، وقدم عدداً من الكتب والدراسات التي جعلت منه اسماً بارزاً في مجال الفكر السياسي الإسلامي. غير أن سيرة التجاني عبد القادر لا تقف عند حدود الأستاذ الجامعي والباحث في الفكر السياسي؛ فقد كان جزءاً من الحركة الإسلامية السودانية، وعاش تحولات تجربتها السياسية، قبل أن ينخرط في مراجعات نقدية لمسيرتها ولعلاقتها بالسلطة والدولة. ومن هنا تتداخل في سيرته ثلاثة مسارات متلازمة: التكوين الفكري، والانخراط في الحركة الإسلامية، ثم مساءلة تجربة الإسلاميين في الحكم.

 

من الفلسفة إلى العلوم السياسية

ولد التجاني عبد القادر حامد عام 1951 في منطقة أم دم بشمال كردفان، وتخرج في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، قسم الفلسفة، بمرتبة الشرف. وحصل على درجة الماجستير في فلسفة السياسة من جامعة الخرطوم عام 1984، ثم الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لندن عام 1989. وتشير السيرة المنشورة إلى عمله بالتدريس الجامعي في السودان وماليزيا والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة وقطر.
وفي جامعة قطر ارتبط اسمه بمركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث عمل أستاذاً للفكر السياسي والدراسات الإسلامية ورأس قسم العلوم الاجتماعية. وتركز اهتمامه الأكاديمي على التراث السياسي الإسلامي، والفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وقضايا الدولة والمجتمع، إلى جانب أسئلة المنهج في العلوم الاجتماعية.

نقد تجربة الحكم

كان التجاني عبد القادر من قيادات الحركة الإسلامية السودانية السابقة، وبرز اسمه لاحقاً في المراجعات الفكرية التي تناولت مسار الحركة وتجربتها السياسية. وتصفه دراسة منشورة في «الجزيرة نت» بأنه كان من القادة السابقين في الحركة، وتشير إلى أن مقالاته النقدية شكلت إحدى المحطات المهمة في مراجعة تجربة الإسلاميين في السودان.
ومع انتقال الحركة الإسلامية إلى السلطة، أصبح السؤال بالنسبة إلى التجاني أكبر من الخلافات التنظيمية؛ فقد اتجه إلى مساءلة العلاقة بين الفكرة الإسلامية وممارسة السلطة، وما طرأ على الحركة من تحولات بعد دخولها إلى الدولة.
وكان من أبرز تعبيرات هذا الاتجاه سلسلة مقالاته «العسكريون الإسلاميون: أمناء على السلطة أم شركاء فيها؟»، التي ناقش فيها علاقة العسكريين الإسلاميين بالحركة والسلطة، وأثارت نقاشاً واسعاً داخل أوساط الإسلاميين وشارك في الرد عليها عدد من قيادات الحركة السابقين والحاليين. كما كتب سلسلة أخرى بعنوان «الرأسماليون الإسلاميون»، تناول فيها تحولات أخرى داخل الحركة الإسلامية.
وفي حوار حول تجربة الإسلاميين، تحدث التجاني عبد القادر بوضوح عن إخفاقات التجربة، ومن بينها فشل الحركة في بناء نموذج متكامل للمصارف الإسلامية، منتقداً انشغالها بالتمويل والأموال على حساب تطوير التجربة والتنظير لها. كما تناول في الحوار مسألة استمرار القيادات المؤسسة في مواقعها، ورأى أن بقاء جيل التأسيس طويلاً يمكن أن يعيق التطور الطبيعي للحركة ويفسح المجال بصورة أقل للأجيال الجديدة.
وهكذا لم يكن نقده لتجربة الإسلاميين مجرد موقف سياسي عابر، وإنما جاء في إطار مراجعة فكرية أوسع، حاول من خلالها النظر في العلاقة بين المشروع الذي حملته الحركة وبين ما انتهت إليه تجربتها في الدولة.

نزاع الإسلاميين في السودان

كان كتاب «نزاع الإسلاميين في السودان» الصادر عام 2008 من أبرز الأعمال التي ارتبطت بهذا المسار النقدي. وتوثق جامعة قطر الكتاب ضمن أبرز مؤلفات التجاني عبد القادر، إلى جانب «مشكلة الفقر» و«الفكر السياسي في القرآن المكي» و«مقدمة في فلسفة السياسة».
وتكمن أهمية الكتاب في أنه وضع تجربة الإسلاميين في السودان داخل إطار أوسع من الخلاف السياسي اليومي، وربطها بأسئلة الفكر والتنظيم والسلطة والإصلاح. وهو ما جعل التجاني يقترب من تجربته السابقة لا باعتباره مراقباً خارجياً، وإنما باعتباره واحداً من الذين عاشوا فضاء الحركة وأسئلتها ثم أصبح معنياً بمراجعة ما آلت إليه.

الفكر السياسي في القرآن

إلى جانب اهتمامه بالسودان والحركة الإسلامية، كان للقرآن والفكر السياسي حضور أساسي في مشروع التجاني عبد القادر العلمي. ومن أبرز كتبه التي توثقها جامعة قطر «مشكلة الفقر» الصادر عام 1994، و«الفكر السياسي في القرآن المكي» الصادر عام 1995، وقد تُرجم إلى الإنجليزية والتركية، ثم «نزاع الإسلاميين في السودان» عام 2008، و«مقدمة في فلسفة السياسة» عام 2019. كما نشر أبحاثاً علمية محكمة بالعربية والإنجليزية وشارك في ندوات ومؤتمرات علمية. ويكشف هذا الإنتاج عن مسار فكري حاول الجمع بين النص القرآني والفكر السياسي، وبين التراث الإسلامي وأدوات البحث الحديثة، وهو ما يظهر أيضاً في كتاباته حول فلسفة السياسة ومناهج دراسة المجتمع والدولة.

القرآن وأسئلة الاستشراق

امتد اهتمام البروفيسور التجاني بالنص القرآني إلى دراسة الطريقة التي تناول بها المستشرقون القرآن المكي. ومن الأعمال الموثقة له في هذا المجال دراسة «إشكالية القرآن المكي في دراسات المستشرقين» المنشورة في مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر عام 2020. وفي هذا المجال، اتجه بحثه إلى مناقشة بعض الأطروحات الاستشراقية حول القرآن المكي، وفحص مناهجها واستنتاجاتها، في امتداد لاهتمامه الأوسع بالنص القرآني وبالأسئلة التي تربط الفكر الإسلامي بالبحث العلمي.

ابن خلدون وأسئلة الدولة والمجتمع

لم يتوقف مشروع التجاني عند الفكر السياسي الإسلامي المباشر، وإنما امتد إلى التراث الاجتماعي والسياسي العربي، ومنه النموذج الخلدوني.
وتدرج جامعة قطر ضمن دراسات مركز ابن خلدون بحثه «استدراكات على النموذج الخلدوني: الثورات العربية وانهيار الدولة (2010-2020)»، كما تدرج دراسة أخرى بعنوان «استدراكات على النموذج الخلدوني: حالة الدولة الزيدية في اليمن» شارك في إعدادها إلى جانب باحثين آخرين. كما يظهر اسمه في أعمال المركز المتعلقة بأسئلة المنهج والعلوم الاجتماعية. ويكشف هذا الجانب من إنتاجه عن اهتمام ثابت بأسئلة الدولة والتحولات السياسية والاجتماعية، وهي الأسئلة التي ظلت حاضرة في كتاباته سواء تناولها من زاوية الفكر الإسلامي أو من زاوية العلوم السياسية والاجتماعية.

السودان في قلب مشروعه

ظل السودان حاضراً بصورة واضحة في مشروع التجاني عبد القادر، ليس فقط باعتباره بلداً ينتمي إليه، وإنما باعتباره تجربة سياسية وفكرية اختبر من خلالها أسئلته حول الدولة والحركة الإسلامية والمجتمع والسلطة. ومن «نزاع الإسلاميين في السودان» إلى مقالاته حول العسكريين الإسلاميين والرأسماليين الإسلاميين، ظل الشأن السوداني أحد المجالات الأساسية التي مارس فيها نقده وتحليله. وتكشف كتاباته عن اهتمام لم يكن منصباً على تسجيل الأحداث وحدها، وإنما على محاولة فهم البنية التي أنتجت تلك التحولات.
وهنا تبرز خصوصية تجربته؛ فهو جمع بين المعرفة الأكاديمية والتجربة السياسية والفكرية، ثم استخدم أدوات الباحث في قراءة تجربة كان جزءاً منها.

إرث فكري مفتوح على الأسئلة

لم تختصر سيرة التجاني عبد القادر في المناصب الجامعية ولا في عدد الكتب التي تركها، وإنما في الأسئلة التي ظل يطاردها طوال مسيرته: ما طبيعة الدولة؟ وكيف يتشكل الفكر السياسي الإسلامي؟ وما الذي يحدث للمشروع الفكري عندما ينتقل من مجال الدعوة والتنظيم إلى مجال السلطة؟ وكيف يمكن للحركة أن تراجع تجربتها من دون أن تفقد قدرتها على التفكير؟. ومن «الفكر السياسي في القرآن المكي» إلى «مقدمة في فلسفة السياسة»، ومن «نزاع الإسلاميين في السودان» إلى مقالاته النقدية حول تجربة الحركة الإسلامية، تبدو هذه الأسئلة خيطاً ناظماً لمسيرة مفكر جمع بين التخصص الأكاديمي والانشغال بالشأن العام.
وبرحيله، يفقد السودان واحداً من الأكاديميين والمفكرين الذين اشتغلوا على تقاطع السياسة والفكر الإسلامي والعلوم الاجتماعية، وتركوا وراءهم إنتاجاً سيظل حاضراً في النقاش حول الدولة والمجتمع والحركة الإسلامية والسياسة في السودان والعالمين العربي والإسلامي.